منتديات بعد حيي

منتديات بعد حيي (https://www.b3b7.com/vb/index.php)
-   منتدى التراث الشعبي والقصص (https://www.b3b7.com/vb/forumdisplay.php?f=18)
-   -   المعـــلقـآت الـعشـر ..~ (https://www.b3b7.com/vb/showthread.php?t=70113)

على النيه 05-02-2010 09:03 PM

المعـــلقـآت الـعشـر ..~
 

بسم الله الرحمن الرحيمـ



التعريف المختصر الكامل للمعلقات من كافة الجوانب :


كان فيما اُثر من أشعار العرب ، ونقل إلينا من تراثهم الأدبي الحافل بضع قصائد من مطوّلات الشعر العربي ، وكانت من أدقّه معنى ، وأبعده خيالاً ، وأبرعه وزناً ، وأصدقه تصويراً للحياة ، التي كان يعيشها العرب في عصرهم قبل الإسلام ، ولهذا كلّه ولغيره عدّها النقّاد والرواة قديماً قمّة الشعر العربي وقد سمّيت بالمطوّلات ، وأمّا تسميتها المشهورة فهي المعلّقات . نتناول نبذةً عنها وعن أصحابها وبعض الأوجه الفنّية فيها :



فالمعلّقات لغةً من العِلْق : وهو المال الذي يكرم عليك ، تضنّ به ، تقول : هذا عِلْقُ مضنَّة . وما عليه علقةٌ إذا لم يكن عليه ثياب فيها خير1 ، والعِلْقُ هو النفيس من كلّ شيء ، وفي حديث حذيفة : «فما بال هؤلاء الّذين يسرقون أعلاقنا» أي نفائس أموالنا2 . والعَلَق هو كلّ ما عُلِّق3 .



وأمّا المعنى الاصطلاحي فالمعلّقات : قصائد جاهليّة بلغ عددها السبع أو العشر ـ على قول ـ برزت فيها خصائص الشعر الجاهلي بوضوح ، حتّى عدّت أفضل ما بلغنا عن الجاهليّين من آثار أدبية4 .



والناظر إلى المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد العلاقة واضحة بينهما ، فهي قصائد نفيسة ذات قيمة كبيرة ، بلغت الذّروة في اللغة ، وفي الخيال والفكر ، وفي الموسيقى وفي نضج التجربة ، وأصالة التعبير ، ولم يصل الشعر العربي الى ما وصل إليه في عصر المعلّقات من غزل امرئ القيس ، وحماس المهلهل ، وفخر ابن كلثوم ، إلاّ بعد أن مرّ بأدوار ومراحل إعداد وتكوين طويلة .



وفي سبب تسميتها بالمعلّقات هناك أقوال منها :



لأنّهم استحسنوها وكتبوها بماء الذهب وعلّقوها على الكعبة ، وهذا ما ذهب إليه ابن عبد ربّه في العقد الفريد ، وابن رشيق وابن خلدون وغيرهم ، يقول صاحب العقد الفريد : «وقد بلغ من كلف العرب به (أي الشعر) وتفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم ، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة ، وعلّقتها بين أستار الكعبة ، فمنه يقال : مذهّبة امرئ القيس ، ومذهّبة زهير ، والمذهّبات سبع ، وقد يقال : المعلّقات ، قال بعض المحدّثين قصيدة له ويشبّهها ببعض هذه القصائد التي ذكرت :



برزةٌ تذكَرُ في الحسـ ـنِ من الشعر المعلّقْ



كلّ حرف نادر منـ ـها له وجهٌ معشّق5



أو لأنّ المراد منها المسمّطات والمقلّدات ، فإنّ من جاء بعدهم من الشعراء قلّدهم في طريقتهم ، وهو رأي الدكتور شوقي ضيف وبعض آخر6 . أو أن الملك إذا ما استحسنها أمر بتعليقها في خزانته .



هل علّقت على الكعبة؟



سؤال طالما دار حوله الجدل والبحث ، فبعض يثبت التعليق لهذه القصائد على ستار الكعبة ، ويدافع عنه ، بل ويسخّف أقوال معارضيه ، وبعض آخر ينكر الإثبات ، ويفنّد أدلّته ، فيما توقف آخرون فلم تقنعهم أدلّة الإثبات ولا أدلّة النفي ، ولم يعطوا رأياً في ذلك .



المثبتون للتعليق وأدلّتهم :



لقد وقف المثبتون موقفاً قويّاً ودافعوا بشكل أو بآخر عن موقفهم في صحّة التعليق ، فكتبُ التاريخ حفلت بنصوص عديدة تؤيّد صحّة التعليق ، ففي العقد الفريد7 ذهب ابن عبد ربّه ومثله ابن رشيق والسيوطي8وياقوت الحموي9وابن الكلبي10وابن خلدون11 ، وغيرهم إلى أنّ المعلّقات سمّيت بذلك; لأنّها كتبت في القباطي بماء الذهب وعلّقت على أستار الكعبة ، وذكر ابن الكلبي : أنّ أوّل ما علّق هو شعر امرئ القيس على ركن من أركان الكعبة أيّام الموسم حتّى نظر إليه ثمّ اُحدر ، فعلّقت الشعراء ذلك بعده .



وأمّا الاُدباء المحدّثون فكان لهم دور في إثبات التعليق
، وعلى سبيل المثال نذكر منهم جرجي زيدان حيث يقول :



«وإنّما استأنف إنكار ذلك بعض المستشرقين من الإفرنج ، ووافقهم بعض كتّابنا رغبة في الجديد من كلّ شيء ، وأيّ غرابة في تعليقها وتعظيمها بعدما علمنا من تأثير الشعر في نفوس العرب؟! وأمّا الحجّة التي أراد النحّاس أن يضعّف بها القول فغير وجيهة; لأنّه قال : إنّ حمّاداً لمّا رأى زهد الناس في الشعر جمع هذه السبع وحضّهم عليها وقال لهم : هذه هي المشهورات»12 ، وبعد ذلك أيّد كلامه ومذهبه في صحّة التعليق بما ذكره ابن الأنباري إذ يقول : «وهو ـ أي حمّاد ـ الذي جمع السبع الطوال ، هكذا ذكره أبو جعفر النحاس ، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنّها كانت معلّقة على الكعبة»13 .



وقد استفاد جرجي زيدان من عبارة ابن الأنباري : «ما ذكره الناس» ، فهو أي ابن الأنباري يتعجّب من مخالفة النحاس لما ذكره الناس ، وهم الأكثرية من أنّها علقت في الكعبة .



النافون للتعليق :



ولعلّ أوّلهم والذي يعدُّ المؤسّس لهذا المذهب ـ كما ذكرنا ـ هو أبو جعفر النحّاس ، حيث ذكر أنّ حمّاداً الراوية هو الذي جمع السبع الطوال ، ولم يثبت من أنّها كانت معلّقة على الكعبة ، نقل ذلك عنه ابن الأنباري14 . فكانت هذه الفكرة أساساً لنفي التعليق :



كارل بروكلمان حيث ذكر أنّها من جمع حمّاد ، وقد سمّاها بالسموط والمعلّقات للدلالة على نفاسة ما اختاره ، ورفض القول : إنّها سمّيت بالمعلّقات لتعليقها على الكعبة ، لأن هذا التعليل إنّما نشأ من التفسير الظاهر للتسمية وليس سبباً لها ، وهو ما يذهب إليه نولدكه15.



وعلى هذا سار الدكتور شوقي ضيف مضيفاً إليه أنّه لا يوجد لدينا دليل مادّي على أنّ الجاهليين اتّخذوا الكتابة وسيلة لحفظ أشعارهم ، فالعربية كانت لغة مسموعة لا مكتوبة . ألا ترى شاعرهم حيث يقول :



فلأهدينّ مع الرياح قصيدة منّي مغلغلة إلى القعقاعِ



ترد المياه فما تزال غريبةً في القوم بين تمثّل وسماعِ؟16



ودليله الآخر على نفي التعليق هو أنّ القرآن الكريم ـ على قداسته ـ لم يجمع في مصحف واحد إلاّ بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) (طبعاً هذا على مذهبه) ، وكذلك الحديث الشريف . لم يدوّن إلاّ بعد مرور فترة طويلة من الزمان (لأسباب لا تخفى على من سبر كتب التأريخ وأهمّها نهي الخليفة الثاني عن تدوينه) ومن باب أولى ألاّ تكتب القصائد السبع ولا تعلّق17 .



وممّن ردّ الفكرة ـ فكرة التعليق ـ الشيخ مصطفى صادق الرافعي ، وذهب إلى أنّها من الأخبار الموضوعة التي خفي أصلها حتّى وثق بها المتأخّرون18 .



ومنهم الدكتور جواد علي ، فقد رفض فكرة التعليق لاُمور منها :



1 ـ أنّه حينما أمر النبي بتحطيم الأصنام والأوثان التي في الكعبة وطمس الصور ، لم يذكر وجود معلقة أو جزء معلّقة أو بيت شعر فيها .



2 ـ عدم وجود خبر يشير إلى تعليقها على الكعبة حينما أعادوا بناءَها من جديد .



3 ـ لم يشر أحد من أهل الأخبار الّذين ذكروا الحريق الذي أصاب مكّة ، والّذي أدّى إلى إعادة بنائها لم يشيروا إلى احتراق المعلّقات في هذا الحريق .



4 ـ عدم وجود من ذكر المعلّقات من حملة الشعر من الصحابة والتابعين ولا غيرهم .



ولهذا كلّه لم يستبعد الدكتور جواد علي أن تكون المعلّقات من صنع حمّاد19 ، هذا عمدة ما ذكره المانعون للتعليق .



بعد استعراضنا لأدلة الفريقين ، اتّضح أنّ عمدة دليل النافين هو ما ذكره ابن النحاس حيث ادعى انّ حماداً هو الذي جمع السبع الطوال .



وجواب ذلك أن جمع حماد لها ليس دليلا على عدم وجودها سابقاً ، وإلاّ انسحب الكلام على الدواوين التي جمعها أبو عمرو بن العلاء والمفضّل وغيرهما ، ولا أحد يقول في دواوينهم ما قيل في المعلقات . ثم إنّ حماداً لم يكن السبّاق الى جمعها فقد عاش في العصر العباسي ، والتاريخ ينقل لنا عن عبد الملك أنَّه عُني بجمع هذه القصائد (المعلقات) وطرح شعراء أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة20 .



وأيضاً قول الفرزدق يدلنا على وجود صحف مكتوبة في الجاهلية :



أوصى عشية حين فارق رهطه عند الشهادة في الصحيفة دعفلُ



أنّ ابن ضبّة كان خيرٌ والداً وأتمّ في حسب الكرام وأفضلُ



كما عدّد الفرزدق في هذه القصيدة اسماء شعراء الجاهلية ، ويفهم من بعض الأبيات أنّه كانت بين يديه مجموعات شعرية لشعراء جاهليين أو نسخ من دواوينهم بدليل قوله :



والجعفري وكان بشرٌ قبله لي من قصائده الكتاب المجملُ



وبعد ابيات يقول :



دفعوا إليَّ كتابهنّ وصيّةً فورثتهنّ كأنّهنّ الجندلُ21



كما روي أن النابغة وغيره من الشعراء كانوا يكتبون قصائدهم ويرسلونها الى بلاد المناذرة معتذرين عاتبين ، وقد دفن النعمان تلك الأشعار في قصره الأبيض ، حتّى كان من أمر المختار بن أبي عبيد واخراجه لها بعد أن قيل له : إنّ تحت القصر كنزاً22 .



كما أن هناك شواهد أخرى تؤيّد أن التعليق على الكعبة وغيرها ـ كالخزائن والسقوف والجدران لأجل محدود أو غير محدود ـ كان أمراً مألوفاً عند العرب ، فالتاريخ ينقل لنا أنّ كتاباً كتبه أبو قيس بن عبدمناف بن زهرة في حلف خزاعة لعبد المطّلب ، وعلّق هذا الكتاب على الكعبة23 . كما أنّ ابن هشام يذكر أنّ قريشاً كتبت صحيفة عندما اجتمعت على بني هاشم وبني المطّلب وعلّقوها في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم24 .



ويؤيّد ذلك أيضاً ما رواه البغدادي في خزائنه25 من قول معاوية : قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حِلزه من مفاخر العرب كانتا معلّقتين بالكعبة دهراً26 .



هذا من جملة النقل ، كما أنّه ليس هناك مانع عقلي أو فنّي من أن العرب قد علّقوا أشعاراً هي أنفس ما لديهم ، وأسمى ما وصلت إليه لغتهم; وهي لغة الفصاحة والبلاغة والشعر والأدب ، ولم تصل العربية في زمان إلى مستوى كما وصلت إليه في عصرهم . ومن جهة اُخرى كان للشاعر المقام السامي عند العرب الجاهليين فهو الناطق الرسمي باسم القبيلة وهو لسانها والمقدّم فيها ، وبهم وبشعرهم تفتخر القبائل ، ووجود شاعر مفلّق في قبيلة يعدُّ مدعاة لعزّها وتميّزها بين القبائل ، ولا تعجب من حمّاد حينما يضمّ قصيدة الحارث بن حلزّة إلى مجموعته ، إذ إنّ حمّاداً كان مولى لقبيلة بكر بن وائل ، وقصيدة الحارث تشيد بمجد بكر سادة حمّاد27 ، وذلك لأنّ حمّاداً يعرف قيمة القصيدة وما يلازمها لرفعة من قيلت فيه بين القبائل .



فإذا كان للشعر تلك القيمة العالية ، وإذا كان للشاعر تلك المنزلة السامية في نفوس العرب ، فما المانع من أن تعلّق قصائد هي عصارة ما قيل في تلك الفترة الذهبية للشعر؟



ثمّ إنّه ذكرنا فيما تقدّم أنّ عدداً لا يستهان به من المؤرّخين والمحقّقين قد اتفقوا على التعليق .



فقبول فكرة التعليق قد يكون مقبولا ، وأنّ المعلّقات لنفاستها قد علّقت على الكعبة بعدما قرئت على لجنة التحكيم السنوية ، التي تتّخذ من عكاظ محلاً لها ، فهناك يأتي الشعراء بما جادت به قريحتهم خلال سنة ، ويقرأونها أمام الملإ ولجنة التحكيم التي عدُّوا منها النابغة الذبياني ليعطوا رأيهم في القصيدة ، فإذا لاقت قبولهم واستحسانهم طارت في الآفاق ، وتناقلتها الألسن ، وعلّقت على جدران الكعبة أقدس مكان عند العرب ، وإن لم يستجيدوها خمل ذكرها ، وخفي بريقها ، حتّى ينساها الناس وكأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً .



موضوع شعر المعلّقات



لو رجعنا إلى القصائد الجاهلية الطوال والمعلّقات منها على الأخصّ رأينا أنّ الشعراء يسيرون فيها على نهج مخصوص; يبدأون عادة بذكر الأطلال ، وقد بدأ عمرو بن كلثوم مثلاً بوصف الخمر ، ثمّ بدأ بذكر الحبيبة ، ثمّ ينتقل أحدهم إلى وصف الراحلة ، ثمّ إلى الطريق التي يسلكها ، بعدئذ يخلص إلى المديح أو الفخر (إذا كان الفخر مقصوداً كما عند عنترة) وقد يعود الشاعر إلى الحبيبة ثمّ إلى الخمر ، وبعدئذ ينتهي بالحماسة (أو الفخر) أو بذكر شيء من الحِكَم (كما عند زهير) أو من الوصف كما عند امرئ القيس .



ويجدر بالملاحظة أنّ في القصيدة الجاهلية أغراضاً متعدّدة; واحد منها مقصود لذاته (كالغزل عند امرؤ القيس ، الحماسة عند عنترة ، والمديح عند زهير . .) ،



عدد القصائد المعلّقات



لقد اُختلف في عدد القصائد التي تعدّ من المعلّقات ، فبعد أن اتّفقوا على خمس منها; هي معلّقات : امرؤ القيس ، وزهير ، ولبيد ، وطرفة ، وعمرو بن كلثوم . اختلفوا في البقيّة ، فمنهم من يعدّ بينها معلّقة عنترة والحارث بن حلزة ، ومنهم من يدخل فيها قصيدتي النابغة والأعشى ، ومنهم من جعل فيها قصيدة عبيد بن الأبرص ، فتكون المعلّقات عندئذ عشراً .





يتبع



على النيه 05-02-2010 09:04 PM

" امرؤ القــيس "





اسمه : امرؤ القيس ، خندج ، عدي ، مليكة ، لكنّه عرف واشتهر بالاسم الأوّل ، وهو آخر اُمراء اُسرة كندة اليمنيّة .




أبوه : حجر بن الحارث ، آخر ملوك تلك الاُسرة ، التي كانت تبسط نفوذها وسيطرتها على منطقة نجد من منتصف القرن الخامس الميلادي حتى منتصف السادس .




اُمّه : فاطمة بنت ربيعة اُخت كليب زعيم قبيلة ربيعة من تغلب ، واُخت المهلهل بطل حرب البسوس ، وصاحب أوّل قصيدة عربية تبلغ الثلاثين بيتاً .




نبذة عن حياته :




قال ابن قتيبة : هو من أهل نجد من الطبقة الاُولى28 . كان يعدّ من عشّاق العرب ، وكان يشبّب بنساء منهنّ فاطمة بنت العبيد العنزية التي يقول لها في معلّقته :




أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدلّل




وقد طرده أبو ه على أثر ذلك . وظل امرؤ القيس سادراً في لهوه إلى أن بلغه مقتل أبيه وهو بدمّون فقال : ضيّعني صغيراً ، وحمّلني دمه كبيراً ، لا صحو اليوم ولا سكرَ غداً ، اليوم خمرٌ وغداً أمرٌ ، ثمّ آلى أن لا يأكل لحماً ولا يشرب خمراً حتّى يثأر لأبيه29 .




إلى هنا تنتهي الفترة الاُولى من حياة امرئ القيس وحياة المجون والفسوق والانحراف ، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته ، وهي فترة طلب الثأر من قَتَلة أبيه ، ويتجلّى ذلك من شعره ، الّذي قاله في تلك الفترة ، الّتي يعتبرها الناقدون مرحلة الجدّ من حياة الشاعر ، حيكت حولها كثير من الأساطير ، التي اُضيفت فيما بعد إلى حياته . وسببها يعود إلى النحل والانتحال الذي حصل في زمان حمّاد الراوية ، وخلف الأحمر ومن حذا حذوهم . حيث أضافوا إلى حياتهم ما لم يدلّ عليه دليل عقلي وجعلوها أشبه بالأسطورة . ولكن لا يعني ذلك أنّ كلّ ما قيل حول مرحلة امرئ القيس الثانية هو اُسطورة .




والمهم أنّه قد خرج إلى طلب الثأر من بني أسد قتلة أبيه ، وذلك بجمع السلاح وإعداد الناس وتهيئتهم للمسير معه ، وبلغ به ذلك المسير إلى ملك الروم حيث أكرمه لما كان يسمع من أخبار شعره وصار نديمه ، واستمدّه للثأر من القتلة فوعده ذلك ، ثمّ بعث معه جيشاً فيهم أبناء ملوك الروم ، فلمّا فصل قيل لقيصر : إنّك أمددت بأبناء ملوك أرضك رجلاً من العرب وهم أهل غدر ، فإذا استمكن ممّا أراد وقهر بهم عدوّه غزاك . فبعث إليه قيصر مع رجل من العرب كان معه يقال له الطمّاح ، بحلّة منسوجة بالذهب مسمومة ، وكتب إليه : إنّي قد بعثت إليك بحلّتي الّتي كنت ألبسها يوم الزينة ليُعرف فضلك عندي ، فإذا وصلت إليك فالبسها على الُيمن والبركة ، واكتب إليّ من كلّ منزل بخبرك ، فلمّا وصلت إليه الحلّة اشتدّ سروره بها ولبسها ، فأسرع فيه السمّ وتنفّط جلده ، والعرب تدعوه : ذا القروح لذلك ، ولقوله :




وبُدِّلْتُ قرحاً دامياً بعد صحّة فيالك نُعمى قد تحوّلُ أبؤسا




ولمّا صار إلى مدينة بالروم تُدعى : أنقرة ثقل فأقام بها حتّى مات ، وقبره هناك .




وآخر شعره :




ربّ خطبة مسحنفَرهْ وطعنة مثعنجرهْ




وجعبة متحيّرهْ تدفنُ غداً بأنقرةْ




ورأى قبراً لامرأة من بنات ملوك العرب هلكت بأنقره فسأل عنها فاخبر ، فقال :




أجارتنا إنّ المزار قريبُ وإنّي مقيم ما أقام عسيبُ




أجارتَنا إنّا غريبانِ هاهنا وكلّ غريب للغريب نسيبُ30




وقد عدَّ الدكتور جواد علي والدكتور شوقي ضيف وبروكلمان وآخرون بعض ما ورد في قصّة امرئ القيس وطرده ، والحكايات التي حيكت بعد وصوله إلى قيصر ودفنه بأنقرة إلى جانب قبر ابنة بعض ملوك الروم ، وسبب موته بالحلة المسمومة ، وتسميته ذا القروح من الأساطير .




قالوا فيه :




1 ـ النبيّ(صلى الله عليه وآله) : ذاك رجل مذكور في الدنيا ، شريف فيها منسيّ في الآخرة خامل فيها ، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار31 .




2 ـ الإمام علي(عليه السلام) : سُئل من أشعر الشعراء؟ فقال :




إنّ القوم لم يَجروا في حَلبة تُعرفُ الغايةُ عند قصبتها ، فإنْ كان ولابُدّ فالملكُ الضِّلِّيلُ32 . يريد امرأ القيس .




3 ـ الفرزدق سئل من أشعر الناس؟ قال : ذو القروح .




4 ـ يونس بن حبيب : إنّ علماء البصرة كانوا يقدّمون امرأ القيس .




5 ـ لبيد بن ربيعة : أشعر الناس ذو القروح .




6 ـ أبو عبيدة معمّر بن المثنّى : هو أوّل من فتح الشعر ووقف واستوقف وبكى في الدمن ووصف ما فيها . . .33




معلّقة امرئ القيس




البحر : الطويل .
عدد أبياتها : 78 بيتاً منها : 9 : في ذكرى الحبيبة . 21 : في بعض مواقف له . 13 : في وصف المرأة . 5 : في وصف الليل . 18 : في السحاب والبرق والمطر وآثاره . والبقية في اُمور مختلفة












يقـــول في معلقتهـ الشهيـــرة






قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ




بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ




فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها




لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ




تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَـا




وَقِيْعَـانِهَا كَأنَّهُ حَبُّ فُلْفُــلِ




كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُـوا




لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ




وُقُوْفاً بِهَا صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُـمُ




يَقُوْلُوْنَ لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَمَّـلِ




وإِنَّ شِفـَائِي عَبْـرَةٌ مُهْرَاقَـةٌ




فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ




كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَـا




وَجَـارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَـلِ




إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَـا




نَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ




فَفَاضَتْ دُمُوْعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً




عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي مِحْمَلِي




ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ




وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ




ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِـي




فَيَا عَجَباً مِنْ كُوْرِهَا المُتَحَمَّـلِ




فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِيْنَ بِلَحْمِهَـا




وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّـلِ




ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْـزَةٍ




فَقَالَتْ لَكَ الوَيْلاَتُ إنَّكَ مُرْجِلِي




تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعـاً




عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ




فَقُلْتُ لَهَا سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَـهُ




ولاَ تُبْعـِدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّـلِ




فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِـعٍ




فَأَلْهَيْتُهَـا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْـوِلِ




إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ




بِشَـقٍّ وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَـوَّلِ




ويَوْماً عَلَى ظَهْرِ الكَثِيْبِ تَعَـذَّرَتْ




عَلَـيَّ وَآلَـتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّـلِ




أفاطِـمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ




وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي




أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـكِ قَاتِلِـي




وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ




وإِنْ تَكُ قَدْ سَـاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَـةٌ




فَسُلِّـي ثِيَـابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُـلِ




وَمَا ذَرَفَـتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِـي




بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّـلِ




وبَيْضَـةِ خِدْرٍ لاَ يُرَامُ خِبَاؤُهَـا




تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَـلِ




تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَـراً




عَلَّي حِرَاصاً لَوْ يُسِرُّوْنَ مَقْتَلِـي




إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ




تَعَـرُّضَ أَثْنَاءَ الوِشَاحِ المُفَصَّـلِ




فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا




لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ




فَقَالـَتْ : يَمِيْنَ اللهِ مَا لَكَ حِيْلَةٌ




وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِـي




خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَـا




عَلَـى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّـلِ




فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَـى




بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ




هَصَرْتُ بِفَوْدَي رَأْسِهَا فَتَمَايَلَـتْ




عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ




مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَيْرُ مُفَاضَــةٍ




تَرَائِبُهَـا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَــلِ




كَبِكْرِ المُقَـانَاةِ البَيَاضَ بِصُفْــرَةٍ




غَـذَاهَا نَمِيْرُ المَاءِ غَيْرُ المُحَلَّــلِ




تَـصُدُّ وتُبْدِي عَنْ أسِيْلٍ وَتَتَّقــِي




بِـنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِـلِ




وجِـيْدٍ كَجِيْدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِـشٍ




إِذَا هِـيَ نَصَّتْـهُ وَلاَ بِمُعَطَّــلِ




وفَـرْعٍ يَزِيْنُ المَتْنَ أسْوَدَ فَاحِــمٍ




أثِيْـثٍ كَقِـنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِــلِ




غَـدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلَى العُــلاَ




تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنَّى وَمُرْسَــلِ




وكَشْحٍ لَطِيفٍ كَالجَدِيْلِ مُخَصَّــرٍ




وسَـاقٍ كَأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّــلِ




وتُضْحِي فَتِيْتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشِهَـا




نَئُوْمُ الضَّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّـلِ




وتَعْطُـو بِرَخْصٍ غَيْرَ شَثْنٍ كَأَنَّــهُ




أَسَارِيْعُ ظَبْيٍ أَوْ مَسَاويْكُ إِسْحِـلِ




تُضِـيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَــا




مَنَـارَةُ مُمْسَى رَاهِـبٍ مُتَبَتِّــلِ




إِلَى مِثْلِهَـا يَرْنُو الحَلِيْمُ صَبَابَــةً




إِذَا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ ومِجْـوَلِ




تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَالِ عَنْ الصِّبَـا




ولَيْـسَ فُؤَادِي عَنْ هَوَاكِ بِمُنْسَـلِ




ألاَّ رُبَّ خَصْمٍ فِيْكِ أَلْوَى رَدَدْتُـهُ




نَصِيْـحٍ عَلَى تَعْذَالِهِ غَيْرِ مُؤْتَــلِ




ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَــهُ




عَلَيَّ بِأَنْـوَاعِ الهُـمُوْمِ لِيَبْتَلِــي




فَقُلْـتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّـى بِصُلْبِــهِ




وأَرْدَفَ أَعْجَـازاً وَنَاءَ بِكَلْكَــلِ




ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِــي




بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَــلِ




فَيَــا لَكَ مَنْ لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَـهُ




بِـأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْــدَلِ




وقِـرْبَةِ أَقْـوَامٍ جَعَلْتُ عِصَامَهَــا




عَلَى كَاهِـلٍ مِنِّي ذَلُوْلٍ مُرَحَّــلِ




وَوَادٍ كَجَـوْفِ العَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُــهُ




بِـهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كَالخَلِيْعِ المُعَيَّــلِ




فَقُلْـتُ لَهُ لَمَّا عَوَى : إِنَّ شَأْنَنَــا




قَلِيْلُ الغِنَى إِنْ كُنْتَ لَمَّا تَمَــوَّلِ




كِــلاَنَا إِذَا مَا نَالَ شَيْئَـاً أَفَاتَـهُ




ومَنْ يَحْتَرِثْ حَرْثِي وحَرْثَكَ يَهْـزَلِ




وَقَـدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَـا




بِمُنْجَـرِدٍ قَيْـدِ الأَوَابِدِ هَيْكَــلِ




مِكَـرٍّ مِفَـرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِـرٍ مَعــاً




كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ




كَمَيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْـدُ عَنْ حَالِ مَتْنِـهِ




كَمَا زَلَّـتِ الصَّفْـوَاءُ بِالمُتَنَـزَّلِ




عَلَى الذَّبْلِ جَيَّاشٍ كأنَّ اهْتِـزَامَهُ




إِذَا جَاشَ فِيْهِ حَمْيُهُ غَلْيُ مِرْجَـلِ




مَسْحٍ إِذَا مَا السَّابِحَاتُ عَلَى الوَنَى




أَثَرْنَ الغُبَـارَ بِالكَـدِيْدِ المُرَكَّـلِ




يُزِلُّ الغُـلاَمُ الخِفَّ عَنْ صَهَـوَاتِهِ




وَيُلْوِي بِأَثْوَابِ العَنِيْـفِ المُثَقَّـلِ




دَرِيْرٍ كَخُـذْرُوفِ الوَلِيْـدِ أمَرَّهُ




تَتَابُعُ كَفَّيْـهِ بِخَيْـطٍ مُوَصَّـلِ




لَهُ أيْطَـلا ظَبْـيٍ وَسَاقَا نَعَـامَةٍ




وإِرْخَاءُ سَرْحَانٍ وَتَقْرِيْبُ تَتْفُـلِ




ضَلِيْعٍ إِذَا اسْتَـدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَـهُ




بِضَافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْزَلِ




كَأَنَّ عَلَى المَتْنَيْنِ مِنْهُ إِذَا انْتَحَـى




مَدَاكَ عَرُوسٍ أَوْ صَلايَةَ حَنْظَـلِ




كَأَنَّ دِمَاءَ الهَـادِيَاتِ بِنَحْـرِهِ




عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْـبٍ مُرَجَّـلِ




فَعَـنَّ لَنَا سِـرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَـهُ




عَـذَارَى دَوَارٍ فِي مُلاءٍ مُذَبَّـلِ




فَأَدْبَرْنَ كَالجِزْعِ المُفَصَّـلِ بَيْنَـهُ




بِجِيْدٍ مُعَمٍّ فِي العَشِيْرَةِ مُخْـوَلِ




فَأَلْحَقَنَـا بِالهَـادِيَاتِ ودُوْنَـهُ




جَوَاحِـرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تُزَيَّـلِ




فَعَـادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَـةٍ




دِرَاكاً وَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَـلِ




فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِن بَيْنِ مُنْضِجٍ




صَفِيـفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيْرٍ مُعَجَّـلِ




ورُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُوْنَـهُ




مَتَى تَـرَقَّ العَيْـنُ فِيْهِ تَسَفَّـلِ




فَبَـاتَ عَلَيْـهِ سَرْجُهُ ولِجَامُـهُ




وَبَاتَ بِعَيْنِـي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَـلِ




أصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَـهُ




كَلَمْـعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّـلِ




يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِـبٍ




أَمَالَ السَّلِيْـطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّـلِ




قَعَدْتُ لَهُ وصُحْبَتِي بَيْنَ ضَـارِجٍ




وبَيْنَ العـُذَيْبِ بُعْدَمَا مُتَأَمَّـلِ




عَلَى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِـهِ




وَأَيْسَـرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُـلِ




فَأَضْحَى يَسُحُّ المَاءَ حَوْلَ كُتَيْفَةٍ




يَكُبُّ عَلَى الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ




ومَـرَّ عَلَى القَنَـانِ مِنْ نَفَيَانِـهِ




فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْـزِلِ




وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَـةٍ




وَلاَ أُطُمـاً إِلاَّ مَشِيْداً بِجِنْـدَلِ




كَأَنَّ ثَبِيْـراً فِي عَرَانِيْـنِ وَبْلِـهِ




كَبِيْـرُ أُنَاسٍ فِي بِجَـادٍ مُزَمَّـلِ




كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُـدْوَةً




مِنَ السَّيْلِ وَالأَغثَاءِ فَلْكَةُ مِغْـزَلِ




وأَلْقَى بِصَحْـرَاءِ الغَبيْطِ بَعَاعَـهُ




نُزُوْلَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ




كَأَنَّ مَكَـاكِيَّ الجِـوَاءِ غُدَّبَـةً




صُبِحْنَ سُلافاً مِنْ رَحيقٍ مُفَلْفَـلِ




كَأَنَّ السِّبَـاعَ فِيْهِ غَرْقَى عَشِيَّـةً






بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيْشُ عُنْصُـلِ

على النيه 05-02-2010 09:06 PM

" عمرو بن كلثوم "




سيــرته الذاتيــهـ :
عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب، أبو الأسود (توفي 39 ق.هـ/584م)، من بني تغلب. شاعر جاهلي، من الطبقة الأولى، ولد في شمالي جزيرة العرب في بلاد ربيعة وتجوّل فيها وفي الشام والعراق ونجد. أمه هي ليلى بنت المهلهل بن ربيعة[1]. كان من أعز الناس نفساً، وهو من الفتاك الشجعان، ساد قومه، تغلب، وهو فتىً وعمّر طويلاً. هو قاتل الملك عمرو بن هند. أشهر شعره معلقته التي مطلعها "ألا هبي بصحنك فاصبحينا"، يقال: إنها في نحو ألف بيت وإنما بقي منها ما حفظه الرواة، وفيها من الفخر والحماسة العجب، مات في الجزيرة الفراتية.



قال في ثمار القلوب: كان يقال: «فتكات الجاهلية ثلاث: فتكة البراض بعروة، وفتكة الحارث بن ظالم بخالد بن جعفر، وفتكة عمرو بن كلثوم بعمرو بن هند ملك المناذرة، فتك به وقتله في دار ملكه وانتهب رحله وخزائنه وانصرف بالتغالبة إلى خارج الحيرة ولم يصب أحد من أصحابه».



من شعره معلقته الشهيرة:





أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا



وَلاَ تُبْقِي خُمُـوْرَ الأَنْدَرِيْنَـا



مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيْهَـا



إِذَا مَا المَاءَ خَالَطَهَا سَخِيْنَـا



تَجُوْرُ بِذِي اللَّبَانَةِ عَنْ هَـوَاهُ



إِذَا مَا ذَاقَهَـا حَتَّـى يَلِيْنَـا



تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيْحَ إِذَا أُمِرَّتْ



عَلَيْـهِ لِمَـالِهِ فِيْهَـا مُهِيْنَـا



صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْـرٍو



وَكَانَ الكَأْسُ مَجْرَاهَا اليَمِيْنَـا



وَمَا شَـرُّ الثَّـلاَثَةِ أُمَّ عَمْـرٍو



بِصَاحِبِكِ الذِي لاَ تَصْبَحِيْنَـا



وَكَأْسٍ قَدْ شَـرِبْتُ بِبَعْلَبَـكٍّ



وَأُخْرَى فِي دِمَشْقَ وَقَاصرِيْنَـا



وَإِنَّا سَـوْفَ تُدْرِكُنَا المَنَـايَا



مُقَـدَّرَةً لَنَـا وَمُقَـدِّرِيْنَـا







قِفِـي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ظَعِيْنـَا



نُخَبِّـرْكِ اليَقِيْـنَ وَتُخْبِرِيْنَـا



قِفِي نَسْأَلْكِ هَلْ أَحْدَثْتِ صَرْماً



لِوَشْكِ البَيْنِ أَمْ خُنْتِ الأَمِيْنَـا



بِيَـوْمِ كَرِيْهَةٍ ضَرْباً وَطَعْنـاً



أَقَـرَّ بِـهِ مَوَالِيْـكِ العُيُوْنَـا



وَأنَّ غَـداً وَأنَّ اليَـوْمَ رَهْـنٌ



وَبَعْـدَ غَـدٍ بِمَا لاَ تَعْلَمِيْنَـا



تُرِيْكَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى خَـلاَءٍ



وَقَدْ أَمِنْتَ عُيُوْنَ الكَاشِحِيْنَـا



ذِرَاعِـي عَيْطَلٍ أَدَمَـاءَ بِكْـرٍ



هِجَـانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأ جَنِيْنَـا



وثَدْياً مِثْلَ حُقِّ العَاجِ رَخِصـاً



حَصَـاناً مِنْ أُكُفِّ اللاَمِسِيْنَـا



ومَتْنَى لَدِنَةٍ سَمَقَتْ وطَالَـتْ



رَوَادِفُهَـا تَنـوءُ بِمَا وَلِيْنَـا



وَمأْكَمَةً يَضِيـقُ البَابُ عَنْهَـا



وكَشْحاً قَد جُنِنْتُ بِهِ جُنُونَـا



وسَارِيَتِـي بَلَنْـطٍ أَو رُخَـامٍ



يَرِنُّ خَشَـاشُ حَلِيهِمَا رَنِيْنَـا



فَمَا وَجَدَتْ كَوَجْدِي أُمُّ سَقبٍ



أَضَلَّتْـهُ فَرَجَّعـتِ الحَنِيْنَـا



ولاَ شَمْطَاءُ لَم يَتْرُك شَقَاهَـا



لَهـا مِن تِسْعَـةٍ إلاَّ جَنِيْنَـا



تَذَكَّرْتُ الصِّبَا وَاشْتَقْتُ لَمَّـا



رَأَيْتُ حُمُـوْلَهَا أصُلاً حُدِيْنَـا



فَأَعْرَضَتِ اليَمَامَةُ وَاشْمَخَـرَّتْ



كَأَسْيَـافٍ بِأَيْـدِي مُصْلِتِيْنَـا



أَبَا هِنْـدٍ فَلاَ تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا



وَأَنْظِـرْنَا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَــا



بِأَنَّا نُـوْرِدُ الـرَّايَاتِ بِيْضـاً



وَنُصْـدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَـا



وَأَيَّـامٍ لَنَـا غُـرٍّ طِــوَالٍ



عَصَيْنَـا المَلِكَ فِيهَا أَنْ نَدِيْنَـا



وَسَيِّـدِ مَعْشَـرٍ قَدْ تَوَّجُـوْهُ



بِتَاجِ المُلْكِ يَحْمِي المُحْجَرِيْنَـا



تَرَكْـنَ الخَيْلَ عَاكِفَةً عَلَيْـهِ



مُقَلَّـدَةً أَعِنَّتَهَـا صُفُـوْنَـا



وَأَنْزَلْنَا البُيُوْتَ بِذِي طُلُـوْحٍ



إِلَى الشَامَاتِ نَنْفِي المُوْعِدِيْنَـا



وَقَدْ هَرَّتْ كِلاَبُ الحَيِّ مِنَّـا



وَشَـذَّبْنَا قَتَـادَةَ مَنْ يَلِيْنَـا



مَتَى نَنْقُـلْ إِلَى قَوْمٍ رَحَانَـا



يَكُوْنُوا فِي اللِّقَاءِ لَهَا طَحِيْنَـا



يَكُـوْنُ ثِقَالُهَا شَرْقِيَّ نَجْـدٍ



وَلُهْـوَتُهَا قُضَـاعَةَ أَجْمَعِيْنَـا



نَزَلْتُـمْ مَنْزِلَ الأَضْيَافِ مِنَّـا



فَأَعْجَلْنَا القِرَى أَنْ تَشْتِمُوْنَـا



قَرَيْنَاكُـمْ فَعَجَّلْنَـا قِرَاكُـمْ



قُبَيْـلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُوْنَـا



نَعُـمُّ أُنَاسَنَـا وَنَعِفُّ عَنْهُـمْ



وَنَحْمِـلُ عَنْهُـمُ مَا حَمَّلُوْنَـا



نُطَـاعِنُ مَا تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّـا



وَنَضْرِبُ بِالسِّيُوْفِ إِذَا غُشِيْنَـا



بِسُمْـرٍ مِنْ قَنَا الخَطِّـيِّ لُـدْنٍ



ذَوَابِـلَ أَوْ بِبِيْـضٍ يَخْتَلِيْنَـا



كَأَنَّ جَمَـاجِمَ الأَبْطَالِ فِيْهَـا



وُسُـوْقٌ بِالأَمَاعِـزِ يَرْتَمِيْنَـا



نَشُـقُّ بِهَا رُؤُوْسَ القَوْمِ شَقًّـا



وَنَخْتَلِـبُ الرِّقَـابَ فَتَخْتَلِيْنَـا



وَإِنَّ الضِّغْـنَ بَعْدَ الضِّغْنِ يَبْـدُو



عَلَيْـكَ وَيُخْرِجُ الدَّاءَ الدَّفِيْنَـا



وَرِثْنَـا المَجْدَ قَدْ عَلِمَتْ مَعَـدٌّ



نُطَـاعِنُ دُوْنَهُ حَـتَّى يَبِيْنَـا



وَنَحْنُ إِذَا عِمَادُ الحَيِّ خَـرَّتْ



عَنِ الأَحْفَاضِ نَمْنَعُ مَنْ يَلِيْنَـا



نَجُـذُّ رُؤُوْسَهُمْ فِي غَيْرِ بِـرٍّ



فَمَـا يَـدْرُوْنَ مَاذَا يَتَّقُوْنَـا



كَأَنَّ سُيُـوْفَنَا منَّـا ومنْهُــم



مَخَـارِيْقٌ بِأَيْـدِي لاَعِبِيْنَـا



كَـأَنَّ ثِيَابَنَـا مِنَّـا وَمِنْهُـمْ



خُضِبْـنَ بِأُرْجُوَانِ أَوْ طُلِيْنَـا



إِذَا مَا عَيَّ بِالإِسْنَـافِ حَـيٌّ



مِنَ الهَـوْلِ المُشَبَّهِ أَنْ يَكُوْنَـا



نَصَبْنَـا مِثْلَ رَهْوَةِ ذَاتَ حَـدٍّ



مُحَافَظَـةً وَكُـنَّا السَّابِقِيْنَـا



بِشُبَّـانٍ يَرَوْنَ القَـتْلَ مَجْـداً



وَشِيْـبٍ فِي الحُرُوْبِ مُجَرَّبِيْنَـا



حُـدَيَّا النَّـاسِ كُلِّهِمُ جَمِيْعـاً



مُقَـارَعَةً بَنِيْـهِمْ عَـنْ بَنِيْنَـا



فَأَمَّا يَـوْمَ خَشْيَتِنَـا عَلَيْهِـمْ



فَتُصْبِـحُ خَيْلُنَـا عُصَباً ثُبِيْنَـا



وَأَمَّا يَـوْمَ لاَ نَخْشَـى عَلَيْهِـمْ



فَنُمْعِــنُ غَـارَةً مُتَلَبِّبِيْنَــا



بِـرَأْسٍ مِنْ بَنِي جُشْمٍ بِنْ بَكْـرٍ



نَـدُقُّ بِهِ السُّـهُوْلَةَ وَالحُزُوْنَـا



أَلاَ لاَ يَعْلَـمُ الأَقْـوَامُ أَنَّــا



تَضَعْضَعْنَـا وَأَنَّـا قَـدْ وَنِيْنَـا



أَلاَ لاَ يَجْهَلَـنَّ أَحَـدٌ عَلَيْنَـا



فَنَجْهَـلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَـا



بِاَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْـرُو بْنَ هِنْـدٍ



نَكُـوْنُ لِقَيْلِكُـمْ فِيْهَا قَطِيْنَـا



بِأَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْـرَو بْنَ هِنْـدٍ



تُطِيْـعُ بِنَا الوُشَـاةَ وَتَزْدَرِيْنَـا



تَهَـدَّدُنَـا وَتُوْعِـدُنَا رُوَيْـداً



مَتَـى كُـنَّا لأُمِّـكَ مَقْتَوِيْنَـا



فَإِنَّ قَنَاتَنَـا يَا عَمْـرُو أَعْيَـتْ



عَلى الأَعْـدَاءِ قَبَلَكَ أَنْ تَلِيْنَـا



إِذَا عَضَّ الثَّقَافُ بِهَا اشْمَـأَزَّتْ



وَوَلَّتْـهُ عَشَـوْزَنَةً زَبُـوْنَـا



عَشَـوْزَنَةً إِذَا انْقَلَبَتْ أَرَنَّـتْ



تَشُـجُّ قَفَا المُثَقِّـفِ وَالجَبِيْنَـا



فَهَلْ حُدِّثْتَ فِي جُشَمٍ بِنْ بَكْـرٍ



بِنَقْـصٍ فِي خُطُـوْبِ الأَوَّلِيْنَـا



وَرِثْنَـا مَجْدَ عَلْقَمَةَ بِنْ سَيْـفٍ



أَبَـاحَ لَنَا حُصُوْنَ المَجْدِ دِيْنَـا



وَرَثْـتُ مُهَلْهِـلاً وَالخَيْرَ مِنْـهُ



زُهَيْـراً نِعْمَ ذُخْـرُ الذَّاخِرِيْنَـا



وَعَتَّـاباً وَكُلْثُـوْماً جَمِيْعــاً



بِهِـمْ نِلْنَـا تُرَاثَ الأَكْرَمِيْنَـا



وَذَا البُـرَةِ الذِي حُدِّثْتَ عَنْـهُ



بِهِ نُحْمَى وَنَحْمِي المُلتَجِينَــا



وَمِنَّـا قَبْلَـهُ السَّاعِي كُلَيْـبٌ



فَـأَيُّ المَجْـدِ إِلاَّ قَـدْ وَلِيْنَـا



مَتَـى نَعْقِـد قَرِيْنَتَنَـا بِحَبْـلٍ



تَجُـذَّ الحَبْلَ أَوْ تَقْصِ القَرِيْنَـا



وَنُوْجَـدُ نَحْنُ أَمْنَعَهُمْ ذِمَـاراً



وَأَوْفَاهُـمْ إِذَا عَقَـدُوا يَمِيْنَـا



وَنَحْنُ غَدَاةَ أَوْقِدَ فِي خَـزَازَى



رَفَـدْنَا فَـوْقَ رِفْدِ الرَّافِدِيْنَـا



وَنَحْنُ الحَابِسُوْنَ بِذِي أَرَاطَـى



تَسَـفُّ الجِلَّـةُ الخُوْرُ الدَّرِيْنَـا



وَنَحْنُ الحَاكِمُـوْنَ إِذَا أُطِعْنَـا



وَنَحْنُ العَازِمُـوْنَ إِذَا عُصِيْنَـا



وَنَحْنُ التَّارِكُوْنَ لِمَا سَخِطْنَـا



وَنَحْنُ الآخِـذُوْنَ لِمَا رَضِيْنَـا



وَكُنَّـا الأَيْمَنِيْـنَ إِذَا التَقَيْنَـا



وَكَـانَ الأَيْسَـرِيْنَ بَنُو أَبَيْنَـا



فَصَالُـوا صَـوْلَةً فِيْمَنْ يَلِيْهِـمْ



وَصُلْنَـا صَـوْلَةً فِيْمَنْ يَلِيْنَـا



فَـآبُوا بِالنِّـهَابِ وَبِالسَّبَايَـا



وَأُبْـنَا بِالمُلُـوْكِ مُصَفَّدِيْنَــا



إِلَيْكُـمْ يَا بَنِي بَكْـرٍ إِلَيْكُـمْ



أَلَمَّـا تَعْـرِفُوا مِنَّـا اليَقِيْنَـا



أَلَمَّـا تَعْلَمُـوا مِنَّا وَمِنْكُـمْ



كَتَـائِبَ يَطَّعِـنَّ وَيَرْتَمِيْنَـا



عَلَيْنَا البَيْضُ وَاليَلَبُ اليَمَانِـي



وَأسْيَـافٌ يَقُمْـنَ وَيَنْحَنِيْنَـا



عَلَيْنَـا كُـلُّ سَابِغَـةٍ دِلاَصٍ



تَرَى فَوْقَ النِّطَاقِ لَهَا غُضُوْنَـا



إِذَا وَضِعَتْ عَنِ الأَبْطَالِ يَوْمـاً



رَأَيْـتَ لَهَا جُلُوْدَ القَوْمِ جُوْنَـا



كَأَنَّ غُضُـوْنَهُنَّ مُتُوْنُ غُـدْرٍ



تُصَفِّقُهَـا الرِّيَاحُ إِذَا جَرَيْنَـا



وَتَحْمِلُنَـا غَدَاةَ الرَّوْعِ جُـرْدٌ



عُـرِفْنَ لَنَا نَقَـائِذَ وَافْتُلِيْنَـا



وَرَدْنَ دَوَارِعاً وَخَرَجْنَ شُعْثـاً



كَأَمْثَـالِ الرِّصَائِـعِ قَدْ بَلَيْنَـا



وَرِثْنَـاهُنَّ عَنْ آبَـاءِ صِـدْقٍ



وَنُـوْرِثُهَـا إِذَا مُتْنَـا بَنِيْنَـا



عَلَـى آثَارِنَا بِيْـضٌ حِسَـانٌ



نُحَـاذِرُ أَنْ تُقَسَّمَ أَوْ تَهُوْنَـا



أَخَـذْنَ عَلَى بُعُوْلَتِهِنَّ عَهْـداً



إِذَا لاَقَـوْا كَتَـائِبَ مُعْلِمِيْنَـا



لَيَسْتَلِبُـنَّ أَفْـرَاسـاً وَبِيْضـاً



وَأَسْـرَى فِي الحَدِيْدِ مُقَرَّنِيْنَـا



تَـرَانَا بَارِزِيْـنَ وَكُلُّ حَـيٍّ



قَـدْ اتَّخَـذُوا مَخَافَتَنَا قَرِيْنـاً



إِذَا مَا رُحْـنَ يَمْشِيْنَ الهُوَيْنَـا



كَمَا اضْطَرَبَتْ مُتُوْنُ الشَّارِبِيْنَـا



يَقُتْـنَ جِيَـادَنَا وَيَقُلْنَ لَسْتُـمْ



بُعُوْلَتَنَـا إِذَا لَـمْ تَمْنَعُـوْنَـا



ظَعَائِنَ مِنْ بَنِي جُشَمِ بِنْ بِكْـرٍ



خَلَطْـنَ بِمِيْسَمٍ حَسَباً وَدِيْنَـا



وَمَا مَنَعَ الظَّعَائِنَ مِثْلُ ضَـرْبٍ



تَـرَى مِنْهُ السَّوَاعِدَ كَالقُلِيْنَـا



كَـأَنَّا وَالسُّـيُوْفُ مُسَلَّـلاَتٌ



وَلَـدْنَا النَّـاسَ طُرّاً أَجْمَعِيْنَـا



يُدَهْدِهنَ الرُّؤُوسِ كَمَا تُدَهْـدَي



حَـزَاوِرَةٌ بِأَبطَحِـهَا الكُرِيْنَـا



وَقَـدْ عَلِمَ القَبَـائِلُ مِنْ مَعَـدٍّ



إِذَا قُبَـبٌ بِأَبطَحِـهَا بُنِيْنَــا



بِأَنَّـا المُطْعِمُـوْنَ إِذَا قَدَرْنَــا



وَأَنَّـا المُهْلِكُـوْنَ إِذَا ابْتُلِيْنَــا



وَأَنَّـا المَانِعُـوْنَ لِمَـا أَرَدْنَـا



وَأَنَّـا النَّـازِلُوْنَ بِحَيْثُ شِيْنَـا



وَأَنَّـا التَـارِكُوْنَ إِذَا سَخِطْنَـا



وَأَنَّـا الآخِـذُوْنَ إِذَا رَضِيْنَـا



وَأَنَّـا العَاصِمُـوْنَ إِذَا أُطِعْنَـا



وَأَنَّـا العَازِمُـوْنَ إِذَا عُصِيْنَـا



وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً



وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا



أَلاَ أَبْلِـغْ بَنِي الطَّمَّـاحِ عَنَّـا



وَدُعْمِيَّـا فَكَيْفَ وَجَدْتُمُوْنَـا



إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفـاً



أَبَيْنَـا أَنْ نُقِـرَّ الـذُّلَّ فِيْنَـا



مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا



وَظَهرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِيْنَـا



إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ



تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا

عشقي ثرى حايل 05-02-2010 09:23 PM

ربي يسلمك ان شاء الله

احترامي لذاتك ...

Anfas 05-03-2010 01:06 AM

يابعدي يا على النيه
فديتك وفديتك نقلك وذوووقك
عساك على القوة

Nujoud 05-03-2010 01:13 AM

ربي يسعدك يالغاليه
وربي معلومات رااائعه
انا ماكنت اعرف غير امرؤالقيس
بس الحين عرفت غيره
مشكوره غالتي على طرحك الاكثر من رااائع
لك خالص الشكر ياعلى النيه

لحظة حنين 05-03-2010 01:32 AM


يعطيك العافيه

على المعلومات

الرائعه

سـ1ـطـ1ن 05-03-2010 01:35 AM

استاذتي على النيه
شاكرك على السرد والتوضيح
بخصوص المعلقات


مودتي

على النيه 05-03-2010 02:09 AM

" لبيد بن ربيعة "




سيـــرتهـ الذاتيــهـ :
هو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة . . الكلابي



قال المرزباني : كان فارساً شجاعاً سخيّاً ، قال الشعر في الجاهلية دهراً34 .



قال أكثر أهل الأخبار : إنّه كان شريفاً في الجاهلية والإسلام ، وكان قد نذر أن لا تهبّ الصبا إلاّ نحر وأطعم ، ثمّ نزل الكوفة ، وكان المغيرة بن شعبة إذا هبّت الصبا يقول : أعينوا أبا عقيل على مروءته35 .



وحكى الرياشي : لمّا اشتدّ الجدب على مضر بدعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وفد عليه وفد قيس وفيهم لبيد فأنشد :



أتيناك يا خير البريّة كلّها لترحمنا ممّا لقينا من الأزلِ



أتيناك والعذراء تدمى لبانها وقد ذهلت أمّ الصبيّ عن الطفلِ



فإن تدعُ بالسقيا وبالعفو ترسل الـ ـسّماءَ لنا والأمر يبقى على الأَصْلِ



وهو من الشعراء ، الّذين ترفعوا عن مدح الناس لنيل جوائزهم وصِلاتهم ، كما أنّه كان من الشعراء المتقدّمين في الشعر .



وأمّا أبوه فقد عرف بربيعة المقترين لسخائه ، وقد قُتل والده وهو صغير السّنّ ، فتكفّل أعمامهُ تربيتَه .



ويرى بروكلمان احتمال مجيء لبيد إلى هذه الدنيا في حوالى سنة 560م . أمّا وفاته فكانت سنة 40هـ . وقيل : 41هـ . لمّا دخل معاوية الكوفة بعد أن صالح الإمام الحسن بن علي ونزل النخيلة ، وقيل : إنّه مات بالكوفة أيّام الوليد بن عقبة في خلافة عثمان ، كما ورد أنّه توفّي سنة نيف وستين36 .



قالوا فيه :



1 ـ النبي(صلى الله عليه وآله) : أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد :



ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل37



وروى أنّ لبيداً أنشد النبي(صلى الله عليه وآله) قوله :



ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلُ



فقال له : صدقت .



فقال :



وكلّ نعيم لا محالة زائلُ



فقال له : كذبت ، نعيم الآخرة لا يزول38 .



2 ـ المرزباني : إنّ الفرزدق سمع رجلاً ينشد قول لبيد :



وجلا السيوف من الطلولِ كأنّها زبر تجدّ متونَها أقلامُها



فنزل عن بغلته وسجد ، فقيل له : ما هذا؟ فقال : أنا أعرف سجدة الشعر كما يعرفون سجدة القرآن39 .



القول في إسلامه



وأمّا إسلامه فقد أجمعت الرواة على إقبال لبيد على الإسلام من كلّ قلبه ، وعلى تمسّكه بدينه تمسّكاً شديداً ، ولا سيما حينما يشعر بتأثير وطأة الشيخوخة عليه ، وبقرب دنوّ أجله; ويظهر أنّ شيخوخته قد أبعدته عن المساهمة في الأحداث السياسية التي وقعت في أيّامه ، فابتعد عن السياسة ، وابتعد عن الخوض في الأحداث ، ولهذا لا نجد في شعره شيئاً ، ولا فيما روي عنه من أخبار أنّه تحزّب لأحد أو خاصم أحداً .



وروي أنّ لبيداً ترك الشعر وانصرف عنه ، فلمّا كتب عمر إلى عامله المغيرة ابن شعبة على الكوفة يقول له : استنشد من قبلك من شعراء مصرك ما قالوا في الإسلام . أرسل إلى لبيد ، فقال : أرجزاً تُريد أم قصيداً؟ فقال :



أنشدني ما قلته في الإسلام ، فكتب سورة البقرة في صحيفة ثمّ أتى بها ، وقال : أَبدلني الله هذا في الإسلام مكان الشعر . فكتب المغيرة بذلك إلى عمر فنقص من عطاء الأغلب خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد40 .



وجعله في اُسد الغابة من المؤلّفة قلوبهم وممّن حسن إسلامه41 ، وكان عمره مائة وخمساً وخمسين سنة ، منها خمس وأربعون في الإسلام وتسعون في الجاهلية42 .



مختارات من شعره




له قصيدة في رثاء النعمان بن المنذر ، تعرّض فيها للموت ولزوال النعيم ولعدم دوام الدنيا لأحد ، مطلعها :



ألا تسألان المرء ماذا يحاولُ أنحب فيقضى أم ضلالٌ وباطلٌ؟



وقد ذكر فيها الله جلّ جلاله بقوله :



أرى الناس لا يدرون ما قدرُ أمرِهمُ

بلى : كلّ ذي لبّ إلى الله واسلُ



ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلُ

وكلّ نعيم لا محالة زائلُ



وكلُّ اُناس سوف تدخلُ بينهم

دويهيّةٌ تصفرّ منها الأناملُ



وكلّ امرئ يوماً سيعلمُ سعيه

إذا كشّفت عند الإله المحاصلُ43





معلّقة لبيد بن ربيعة



البحر : الكامل
عدد الأبيات : 89 موزّعة فيما يلي : 11 في ديار الحبيبة . 10 في رحلة الحبيبة وبعدها وأثره . 33 في الناقة . 21 في الفخر الشخصي . 14 في الفخر القبلي .



يبدأ الشاعر معلقته ببكاء الأطلال ووصفها ، وكيف أنّ الديار قد درست معالمها حتّى عادت لا ترى فقد هجرت ، وأصبحت لا يدخلها أحدٌ لخرابها :



عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَـا



بِمِنىً تَأَبَّـدَ غَـوْلُهَا فَرِجَامُهَـا



فَمَـدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَـا



خَلِقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِىَّ سِلامُهَا



دِمَنٌ تَجَـرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَـا



حِجَـجٌ خَلَونَ حَلالُهَا وَحَرامُهَا



رُزِقَتْ مَرَابِيْعَ النُّجُومِ وَصَابَهَـا



وَدَقُّ الرَّوَاعِدِ جَوْدُهَا فَرِهَامُهَـا



مِنْ كُـلِّ سَارِيَةٍ وَغَادٍ مُدْجِـنٍ



وَعَشِيَّـةٍ مُتَجَـاوِبٍ إِرْزَامُهَـا



فَعَلا فُرُوعُ الأَيْهُقَانِ وأَطْفَلَـتْ



بِالجَهْلَتَيْـنِ ظِبَـاؤُهَا وَنَعَامُهَـا



وَالعِيْـنُ سَاكِنَةٌ عَلَى أَطْلائِهَـا



عُـوذاً تَأَجَّلُ بِالفَضَاءِ بِهَامُهَـا



وَجَلا السُّيُولُ عَنْ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا



زُبُـرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَـا أَقْلامُهَـا



أَوْ رَجْعُ واشِمَةٍ أُسِفَّ نَؤورُهَـا



كَفِـفاً تَعَرَّضَ فَوْقَهُنَّ وِشَامُهَـا



فَوَقَفْـتُ أَسْأَلُهَا وَكَيفَ سُؤَالُنَـا



صُمًّـا خَوَالِدَ مَا يَبِيْنُ كَلامُهَـا



عَرِيتْ وَكَانَ بِهَا الجَمِيْعُ فَأَبْكَرُوا



مِنْهَـا وغُودِرَ نُؤيُهَا وَثُمَامُهَـا



شَاقَتْكَ ظُعْنُ الحَيِّ حِيْنَ تَحَمَّلُـوا



فَتَكَنَّسُـوا قُطُناً تَصِرُّ خِيَامُهَـا



مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عَصِيَّـهُ



زَوْجٌ عَلَيْـهِ كِلَّـةٌ وَقِرَامُهَـا



زُجَلاً كَأَنَّ نِعَاجَ تُوْضِحَ فَوْقَهَا



وَظِبَـاءَ وَجْرَةَ عُطَّفاً آرَامُهَـا



حُفِزَتْ وَزَايَلَهَا السَّرَابُ كَأَنَّهَا



أَجْزَاعُ بِيشَةَ أَثْلُهَا وَرِضَامُهَـا



بَلْ مَا تَذَكَّرُ مِنْ نَوَارِ وقَدْ نَأَتْ



وتَقَطَّعَـتْ أَسْبَابُهَا ورِمَامُهَـا



مُرِّيَةٌ حَلَّتْ بِفَيْد وجَـاوَرَتْ



أَهْلَ الحِجَازِ فَأَيْنَ مِنْكَ مَرَامُهَا



بِمَشَارِقِ الجَبَلَيْنِ أَوْ بِمُحَجَّـرٍ



فَتَضَمَّنَتْهَـا فَـرْدَةٌ فَرُخَامُهَـا



فَصُـوائِقٌ إِنْ أَيْمَنَتْ فَمِظَنَّـةٌ



فِيْهَا رِخَافُ القَهْرِ أَوْ طِلْخَامُهَا



فَاقْطَعْ لُبَانَةَ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُـهُ



وَلَشَـرُّ وَاصِلِ خُلَّةٍ صَرَّامُهَـا



وَاحْبُ المُجَامِلَ بِالجَزِيلِ وَصَرْمُهُ



بَاقٍ إِذَا ظَلَعَتْ وَزَاغَ قِوَامُهَـا



بِطَلِيـحِ أَسْفَـارٍ تَرَكْنَ بَقِيَّـةً



مِنْهَا فَأَحْنَقَ صُلْبُهَا وسَنَامُهَـا



وَإِذَا تَعَالَى لَحْمُهَا وتَحَسَّـرَتْ



وتَقَطَّعَتْ بَعْدَ الكَلالِ خِدَامُهَـا



فَلَهَـا هِبَابٌ فِي الزِّمَامِ كَأَنَّهَـا



صَهْبَاءُ خَفَّ مَعَ الجَنُوبِ جَهَامُهَا



أَوْ مُلْمِعٌ وَسَقَتْ لأَحْقَبَ لاحَـهُ



طَرْدُ الفُحُولِ وضَرْبُهَا وَكِدَامُهَـا



يَعْلُو بِهَا حُدْبَ الإِكَامِ مُسَحَّـجٌ



قَـدْ رَابَهُ عِصْيَانُهَـا وَوِحَامُهَـا



بِأَحِـزَّةِ الثَّلْبُـوتِ يَرْبَأُ فَوْقَهَـا



قَفْـرُ المَـرَاقِبِ خَوْفُهَا آرَامُهَـا



حَتَّـى إِذَا سَلَخَا جُمَادَى سِتَّـةً



جَـزْءاً فَطَالَ صِيَامُهُ وَصِيَامُهَـا



رَجَعَـا بِأَمْرِهِمَـا إِلىَ ذِي مِـرَّةٍ



حَصِـدٍ ونُجْعُ صَرِيْمَةٍ إِبْرَامُهَـا



ورَمَى دَوَابِرَهَا السَّفَا وتَهَيَّجَـتْ



رِيْحُ المَصَايِفِ سَوْمُهَا وسِهَامُهَـا



فَتَنَـازَعَا سَبِطاً يَطِيْرُ ظِـلالُـهُ



كَدُخَانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرَامُهَـا



مَشْمُـولَةٍ غُلِثَتْ بِنَابتِ عَرْفَـجٍ



كَدُخَـانِ نَارٍ سَاطِعٍ أَسْنَامُهَـا



فَمَضَى وقَدَّمَهَا وكَانَتْ عَـادَةً



مِنْـهُ إِذَا هِيَ عَرَّدَتْ إِقْدَامُهَـا



فَتَوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعَـا



مَسْجُـورَةً مُتَجَـاوِراً قُلاَّمُهَـا



مَحْفُـوفَةً وَسْطَ اليَرَاعِ يُظِلُّهَـا



مِنْـهُ مُصَـرَّعُ غَابَةٍ وقِيَامُهَـا



أَفَتِلْـكَ أَمْ وَحْشِيَّةٌ مَسْبُـوعَـةٌ



خَذَلَتْ وهَادِيَةُ الصِّوَارِ قِوَامُهَـا



خَنْسَاءُ ضَيَّعَتِ الفَرِيرَ فَلَمْ يَـرِمْ



عُرْضَ الشَّقَائِقِ طَوْفُهَا وبُغَامُهَـا



لِمُعَفَّـرٍ قَهْـدٍ تَنَـازَعَ شِلْـوَهُ



غُبْسٌ كَوَاسِبُ لا يُمَنُّ طَعَامُهَـا



صَـادَفْنَ مِنْهَا غِـرَّةً فَأَصَبْنَهَـا



إِنَّ المَنَـايَا لا تَطِيْشُ سِهَامُهَـا



بَاتَتْ وأَسْبَلَ واكِفٌ مِنْ دِيْمَـةٍ



يُرْوَى الخَمَائِلَ دَائِماً تَسْجَامُهَـا



يَعْلُـو طَرِيْقَةَ مَتْنِهَـا مُتَوَاتِـرٌ



فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُهَـا



تَجْتَـافُ أَصْلاً قَالِصاً مُتَنَبِّـذَا



بِعُجُـوبِ أَنْقَاءٍ يَمِيْلُ هُيَامُهَـا



وتُضِيءُ فِي وَجْهِ الظَّلامِ مُنِيْـرَةً



كَجُمَانَةِ البَحْرِيِّ سُلَّ نِظَامُهَـا



حَتَّى إِذَا حَسَرَ الظَّلامُ وأَسْفَرَتْ



بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرَى أَزْلامُهَا



عَلِهَتْ تَرَدَّدُ فِي نِهَاءِ صُعَائِـدٍ



سَبْعـاً تُـؤَاماً كَامِلاً أَيَّامُهَـا



حَتَّى إِذَا يَئِسَتْ وَأَسْحَقَ حَالِقٌ



لَمْ يُبْلِـهِ إِرْضَاعُهَا وفِطَامُهَـا



فَتَوَجَّسَتْ رِزَّ الأَنِيْسِ فَرَاعَهَـا



عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ والأَنِيْسُ سَقَامُهَا



فَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أَنَّهُ



مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفُهَا وأَمَامُهَـا



حَتَّى إِذَا يِئِسَ الرُّمَاةُ وأَرْسَلُـوا



غُضْفاً دَوَاجِنَ قَافِلاً أَعْصَامُهَـا



فَلَحِقْنَ واعْتَكَرَتْ لَهَا مَدْرِيَّـةٌ



كَالسَّمْهَـرِيَّةِ حَدُّهَا وتَمَامُهَـا



لِتَذُودَهُنَّ وأَيْقَنَتْ إِنْ لَمْ تَـذُدْ



أَنْ قَدْ أَحَمَّ مَعَ الحُتُوفِ حِمَامُهَا



فَتَقَصَّدَتْ مِنْهَا كَسَابِ فَضُرِّجَتْ



بِدَمٍ وغُودِرَ فِي المَكَرِّ سُخَامُهَـا



فَبِتِلْكَ إِذْ رَقَصَ اللَّوَامِعُ بِالضُّحَى



واجْتَابَ أَرْدِيَةَ السَّرَابِ إِكَامُهَـا



أَقْضِـي اللُّبَـانَةَ لا أُفَرِّطُ رِيْبَـةً



أَوْ أنْ يَلُـومَ بِحَاجَـةٍ لَوَّامُهَـا



أَوَلَـمْ تَكُنْ تَدْرِي نَوَارِ بِأَنَّنِـي



وَصَّـالُ عَقْدِ حَبَائِلٍ جَذَّامُهَـا



تَـرَّاكُ أَمْكِنَـةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَـا



أَوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَـا



بَلْ أَنْتِ لا تَدْرِينَ كَمْ مِنْ لَيْلَـةٍ



طَلْـقٍ لَذِيذٍ لَهْـوُهَا وَنِدَامُهَـا



قَـدْ بِتُّ سَامِرَهَا وغَايَةَ تَاجِـرٍ



وافَيْـتُ إِذْ رُفِعَتْ وعَزَّ مُدَامُهَـا



أُغْلِى السِّبَاءَ بِكُلِّ أَدْكَنَ عَاتِـقِ



أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتَامُهَـا



بِصَبُوحِ صَافِيَةٍ وجَذْبِ كَرِينَـةٍ



بِمُـوَتَّـرٍ تَأْتَـالُـهُ إِبْهَامُهَـا



بَاكَرْتُ حَاجَتَهَا الدَّجَاجَ بِسُحْرَةٍ



لأَعَـلَّ مِنْهَا حِيْنَ هَبَّ نِيَامُهَـا



وَغـدَاةَ رِيْحٍ قَدْ وَزَعْتُ وَقِـرَّةٍ



قَد أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمَامُهَـا



وَلَقَدْ حَمَيْتُ الحَيَّ تَحْمِلُ شِكَّتِـي



فُرْطٌ وِشَاحِي إِذْ غَدَوْتُ لِجَامُهَـا



فَعَلَـوْتُ مُرْتَقِباً عَلَى ذِي هَبْـوَةٍ



حَـرِجٍ إِلَى أَعْلامِهِـنَّ قَتَامُهَـا



حَتَّـى إِذَا أَلْقَتْ يَداً فِي كَافِـرٍ



وأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلامُهَـا



أَسْهَلْتُ وانْتَصَبَتْ كَجِذْعِ مُنِيْفَةٍ



جَـرْدَاءَ يَحْصَرُ دُونَهَا جُرَّامُهَـا



رَفَّعْتُهَـا طَـرْدَ النَّعَـامِ وَشَلَّـهُ



حَتَّى إِذَا سَخِنَتْ وخَفَّ عِظَامُهَـا



قَلِقَـتْ رِحَالَتُهَا وأَسْبَلَ نَحْرُهَـا



وابْتَـلَّ مِنْ زَبَدِ الحَمِيْمِ حِزَامُهَـا



تَرْقَى وتَطْعَنُ فِي العِنَانِ وتَنْتَحِـي



وِرْدَ الحَمَـامَةِ إِذْ أَجَدَّ حَمَامُهَـا



وكَثِيْـرَةٍ غُـرَبَاؤُهَـا مَجْهُولَـةٍ



تُـرْجَى نَوَافِلُهَا ويُخْشَى ذَامُهَـا



غُلْـبٍ تَشَذَّرُ بِالذَّحُولِ كَأَنَّهَـا



جِـنُّ البَـدِيِّ رَوَاسِياً أَقْدَامُهَـا



أَنْكَـرْتُ بَاطِلَهَا وبُؤْتُ بِحَقِّهَـا



عِنْـدِي وَلَمْ يَفْخَرْ عَلَّي كِرَامُهَـا



وجَـزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِهَـا



بِمَغَـالِقٍ مُتَشَـابِهٍ أَجْسَامُهَــا



أَدْعُـو بِهِنَّ لِعَـاقِرٍ أَوْ مُطْفِــلٍ



بُذِلَـتْ لِجِيْرَانِ الجَمِيْعِ لِحَامُهَـا



فَالضَّيْـفُ والجَارُ الجَنِيْبُ كَأَنَّمَـا



هَبَطَـا تَبَالَةَ مُخْصِبـاً أَهْضَامُهَـا



تَـأْوِي إِلَى الأطْنَابِ كُلُّ رَذِيَّـةٍ



مِثْـلِ البَلِيَّـةِ قَالِـصٍ أَهْدَامُهَـا



ويُكَلِّـلُونَ إِذَا الرِّيَاحُ تَنَاوَحَـتْ



خُلُجـاً تُمَدُّ شَـوَارِعاً أَيْتَامُهَـا



إِنَّـا إِذَا الْتَقَتِ المَجَامِعُ لَمْ يَـزَلْ



مِنَّـا لِزَازُ عَظِيْمَـةٍ جَشَّامُهَـا



ومُقَسِّـمٌ يُعْطِي العَشِيرَةَ حَقَّهَـا



ومُغَـذْمِرٌ لِحُقُوقِهَـا هَضَّامُهَـا



فَضْلاً وَذُو كَرَمٍ يُعِيْنُ عَلَى النَّدَى



سَمْحٌ كَسُوبُ رَغَائِبٍ غَنَّامُهَـا



مِنْ مَعْشَـرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبَاؤُهُـمْ



ولِكُـلِّ قَـوْمٍ سُنَّـةٌ وإِمَامُهَـا



لا يَطْبَعُـونَ وَلا يَبُورُ فَعَالُهُـمْ



إِذْ لا يَمِيْلُ مَعَ الهَوَى أَحْلامُهَـا



فَاقْنَـعْ بِمَا قَسَمَ المَلِيْكُ فَإِنَّمَـا



قَسَـمَ الخَـلائِقَ بَيْنَنَا عَلاَّمُهَـا



وإِذَا الأَمَانَةُ قُسِّمَتْ فِي مَعْشَـرٍ



أَوْفَـى بِأَوْفَـرِ حَظِّنَا قَسَّامُهَـا



فَبَنَـى لَنَا بَيْتـاً رَفِيْعاً سَمْكُـهُ



فَسَمَـا إِليْهِ كَهْلُهَـا وغُلامُهَـا



وَهُمُ السُّعَاةُ إِذَا العَشِيرَةُ أُفْظِعَـتْ



وَهُمُ فَـوَارِسُـهَا وَهُمْ حُكَّامُهَـا



وَهُمُ رَبيـْعٌ لِلْمُجَـاوِرِ فِيهُــمُ



والمُرْمِـلاتِ إِذَا تَطَـاوَلَ عَامُهَـا



وَهُمُ العَشِيْـرَةُ أَنْ يُبَطِّئَ حَاسِـدٌ



أَوْ أَنْ يَمِيْـلَ مَعَ العَـدُوِّ لِئَامُهَـا




يتبع

على النيه 05-03-2010 02:11 AM

" عنترة بن شدّاد العبسي "




سيــرتهـ الذآتيــهـ :
هو عنترة بن عمرو بن شدّاد بن عمرو... بن عبسي بن بغيض47، وأمّا شدّاد فجدّه لأبيه في رواية لابن الكلبي، غلب على اسم أبيه فنسب إليه، وقال غيره: شدّاد عمّه، وكان عنترة نشأ في حجره فنسب إليه دون أبيه، وكان يلقّب بـ (عنترة الفلحاء) لتشقّق شفتيه. وانّما ادّعاه أبوه بعد الكبر، وذلك لأنّه كان لأمة سوداء يقال لها زبيبة، وكانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من اُمّه استعبده.



وكان سبب ادّعاء أبي عنترة إيّاه أنّ بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من بني عبس، فتبعهم العبسيّون فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم، وعنترة فيهم، فقال له أبوه أو عمّه في رواية اُخرى: كرّ يا عنترة، فقال عنترة: العبد لا يحسِن الكرّ، إنّما يحسن الحلاب والصرّ، فقال: كرّ وأنت حرّ، فكرّ وقاتل يومئذ حتّى استنقذ ما بأيدي عدوّهم من الغنيمة، فادّعاه أبوه بعد ذلك، وألحق به نسبه48.



كان شاعرنا من أشدّ أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يده، وكان لا يقول من الشعر إلاّ البيتين والثلاثة حتّى سابّه رجل بني عبس فذكر سواده وسواد اُمّه وسواد اُخوته، وعيّره بذلك، فقال عنترة قصيدته المعلّقة التي تسمّى بالمذهّبة وكانت من أجود شعره: هل غادر الشعراء من متردّمِ49 .



وكان قدشهد حرب داحس والغبراء فحسن فيها بلاؤه وحمد مشاهده.



أحبّ ابنة عمّه عبلة حبّاً شديداً، ولكنّ عمّه منعه من التزويج بها. وقد ذكرها في شعره مراراً وذكر بطولاتها أمامها، وفي معلّقته نماذج من ذلك.



وقد ذكر الأعلم الشنتمري في اختياراته من أشعار الشعراء الستة الجاهليين ص461 أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) حينما أنشد هذا البيت :



ولقد ابيتُ على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكلِ



قال(صلى الله عليه وآله): ما وصف لي أعرابي قط، فأحببتُ أن أراه إلاّ عنترة .



نماذج من شعره:




بكرت تخوّفني الحتوف كأنّني

أصبحتُ عن عرضِ الحتوفِ بمعزلِ



فأجبتها إنّ المنيّة منهلٌ

لابدّ أن اُسقى بذاك المنهلِ



فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي

أنّي امرؤٌ سأموتُ إن لم اُقتلِ





ومن إفراطه:



وأنا المنيّة في المواطن كلّها والطعنُ منّي سابقُ الآجالِ



وله شعر يفخر فيه بأخواله من السودان:



إنّي لتعرف في الحروب مواطني في آل عبس مشهدي وفعالي



منهم أبي حقّاً فهم لي والدٌ والاُمّ من حام فهم أخوالي50



قال الدكتور جواد علي: اِن صحّ هذا الشعر هو لعنترة دلّ على وقوف الجاهليين على اسم «حام» الوارد في التوراة على أنّه جدّ السودان، ولابدّ أن تكون التسمية قد وردت إلى الجاهليين عن طريق أهل الكتاب51.



وقد اختلف في موته، فذكر ابن حزم52 انّه قتله الأسد الرهيص حيّان بن عمرو بن عَميرة بن ثعلبة بن غياث بن ملقط. وقيل: إنّه كان قد أغار على بني نبهان فرماه وزر بن جابر بن سدوس بن أصمع النبهاني فقطع مطاه، فتحامل بالرميّة حتّى أتى أهله فمات53.



معلّقة عنترة العبسي



البحر: الكامل.
عدد الأبيات : 80 بيتاً. 5 في الأطلال. 4 في بعد الحبيبة وأثره. 3 في موكب الرحلة. 9 في وصف الحبيبة. 13 في الناقة. 46 في الفخر الشخصي . . .



يبدأ عنترة معلّقته بالسؤال عن المعنى الذي يمكن أن يأتي به ولم يسبقه به أحد الشعراء من قبل، ثمّ شرع في الكلام فقال: إنّه عرف الدار وتأكّد منها بعد فترة من الشكّ والظنّ فوقف فيها بناقته الضخمة ليؤدّي حقّها ـ وقد رحلت عنها عبلة وصارت بعيدة عنه ـ فحيّا الطلل الّذي قدم العهد به وطال...



فيقول:







هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَـرَدَّمِ



أم هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّـمِ



يَا دَارَ عَبْلـةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمِـي



وَعِمِّي صَبَاحاً دَارَ عبْلةَ واسلَمِي



فَوَقَّفْـتُ فيها نَاقَتي وكَأنَّهَـا



فَـدَنٌ لأَقْضي حَاجَةَ المُتَلَـوِّمِ



وتَحُـلُّ عَبلَةُ بِالجَوَاءِ وأَهْلُنَـا



بالحَـزنِ فَالصَّمَـانِ فَالمُتَثَلَّـمِ



حُيِّيْتَ مِنْ طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْـدُهُ



أَقْـوى وأَقْفَـرَ بَعدَ أُمِّ الهَيْثَـمِ



حَلَّتْ بِأَرض الزَّائِرينَ فَأَصْبَحَتْ



عسِراً عليَّ طِلاَبُكِ ابنَةَ مَخْـرَمِ



عُلِّقْتُهَـا عَرْضاً وأقْتلُ قَوْمَهَـا



زعماً لعَمرُ أبيكَ لَيسَ بِمَزْعَـمِ



ولقـد نَزَلْتِ فَلا تَظُنِّي غَيْـرهُ



مِنّـي بِمَنْـزِلَةِ المُحِبِّ المُكْـرَمِ



كَـيفَ المَزارُ وقد تَربَّع أَهْلُهَـا



بِعُنَيْـزَتَيْـنِ وأَهْلُنَـا بِالغَيْلَـمِ



إنْ كُنْتِ أزْمَعْتِ الفِراقَ فَإِنَّمَـا



زَمَّـت رِكَائِبُكُمْ بِلَيْلٍ مُظْلِـمِ



مَـا رَاعَنـي إلاَّ حَمولةُ أَهْلِهَـا



وسْطَ الدِّيَارِ تَسُفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ



فِيهَـا اثْنَتانِ وأَرْبعونَ حَلُوبَـةً



سُوداً كَخافيةِ الغُرَابِ الأَسْحَـمِ



إذْ تَسْتَبِيْكَ بِذِي غُروبٍ وَاضِحٍ



عَـذْبٍ مُقَبَّلُـهُ لَذيذُ المَطْعَـمِ



وكَـأَنَّ فَارَةَ تَاجِرٍ بِقَسِيْمَـةٍ



سَبَقَتْ عوَارِضَها إليكَ مِن الفَمِ



أوْ روْضـةً أُنُفاً تَضَمَّنَ نَبْتَهَـا



غَيْثٌ قليلُ الدَّمنِ ليسَ بِمَعْلَـمِ



جَـادَتْ علَيهِ كُلُّ بِكرٍ حُـرَّةٍ



فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَـمِ



سَحّـاً وتَسْكاباً فَكُلَّ عَشِيَّـةٍ



يَجْـرِي عَلَيها المَاءُ لَم يَتَصَـرَّمِ



وَخَلَى الذُّبَابُ بِهَا فَلَيسَ بِبَـارِحٍ



غَرِداً كَفِعْل الشَّاربِ المُتَرَنّـمِ



هَزِجـاً يَحُـكُّ ذِراعَهُ بذِراعِـهِ



قَدْحَ المُكَبِّ على الزِّنَادِ الأَجْـذَمِ



تُمْسِي وتُصْبِحُ فَوْقَ ظَهْرِ حَشيّةٍ



وأَبِيتُ فَوْقَ سرَاةِ أدْهَمَ مُلْجَـمِ



وَحَشِيَّتي سَرْجٌ على عَبْلِ الشَّوَى



نَهْـدٍ مَرَاكِلُـهُ نَبِيلِ المَحْـزِمِ



هَـل تُبْلِغَنِّـي دَارَهَا شَدَنِيَّـةَ



لُعِنَتْ بِمَحْرُومِ الشَّرابِ مُصَـرَّمِ



خَطَّـارَةٌ غِبَّ السُّرَى زَيَّافَـةٌ



تَطِـسُ الإِكَامَ بِوَخذِ خُفٍّ مِيْثَمِ



وكَأَنَّمَا تَطِـسُ الإِكَامَ عَشِيَّـةً



بِقَـريبِ بَينَ المَنْسِمَيْنِ مُصَلَّـمِ



تَأْوِي لَهُ قُلُصُ النَّعَامِ كَما أَوَتْ



حِـزَقٌ يَمَانِيَّةٌ لأَعْجَمَ طِمْطِـمِ



يَتْبَعْـنَ قُلَّـةَ رأْسِـهِ وكأَنَّـهُ



حَـرَجٌ على نَعْشٍ لَهُنَّ مُخَيَّـمِ



صَعْلٍ يعُودُ بِذِي العُشَيرَةِ بَيْضَـةُ



كَالعَبْدِ ذِي الفَرْو الطَّويلِ الأَصْلَمِ



شَرَبَتْ بِماءِ الدُّحرُضينِ فَأَصْبَحَتْ



زَوْراءَ تَنْفِرُ عن حيَاضِ الدَّيْلَـمِ



وكَأَنَّما يَنْأَى بِجـانبِ دَفَّها الـ



وَحْشِيِّ مِنْ هَزِجِ العَشِيِّ مُـؤَوَّمِ



هِـرٍّ جَنيبٍ كُلَّما عَطَفَتْ لـهُ



غَضَبَ اتَّقاهَا بِاليَدَينِ وَبِالفَـمِ



بَرَكَتْ عَلَى جَنبِ الرِّدَاعِ كَأَنَّـما



بَرَكَتْ عَلَى قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ



وكَـأَنَّ رُبًّا أَوْ كُحَيْلاً مُقْعَـداً



حَشَّ الوَقُودُ بِهِ جَوَانِبَ قُمْقُـمِ



يَنْبَاعُ منْ ذِفْرَى غَضوبٍ جَسرَةٍ



زَيَّافَـةٍ مِثـلَ الفَنيـقِ المُكْـدَمِ



إِنْ تُغْدِفي دُونِي القِناعَ فإِنَّنِـي



طَـبٌّ بِأَخذِ الفَارسِ المُسْتَلْئِـمِ



أَثْنِـي عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فإِنَّنِـي



سَمْـحٌ مُخَالقَتي إِذَا لم أُظْلَـمِ



وإِذَا ظُلِمْتُ فإِنَّ ظُلْمِي بَاسِـلٌ



مُـرٌّ مَذَاقَتُـهُ كَطَعمِ العَلْقَـمِ



ولقَد شَربْتُ مِنَ المُدَامةِ بَعْدَمـا



رَكَدَ الهَواجرُ بِالمشوفِ المُعْلَـمِ



بِزُجاجَـةٍ صَفْراءَ ذاتِ أَسِـرَّةٍ



قُرِنَتْ بِأَزْهَر في الشَّمالِ مُقَـدَّمِ



فإِذَا شَـرَبْتُ فإِنَّنِي مُسْتَهْلِـكٌ



مَالـي وعِرْضي وافِرٌ لَم يُكلَـمِ



وإِذَا صَحَوتُ فَما أَقَصِّرُ عنْ نَدَىً



وكَما عَلمتِ شَمائِلي وتَكَرُّمـي



وحَلِـيلِ غَانِيةٍ تَرَكْتُ مُجـدَّلاً



تَمكُو فَريصَتُهُ كَشَدْقِ الأَعْلَـمِ



سَبَقَـتْ يَدايَ لهُ بِعاجِلِ طَعْنَـةٍ



ورِشـاشِ نافِـذَةٍ كَلَوْنِ العَنْـدَمِ



هَلاَّ سأَلْتِ الخَيـلَ يا ابنةَ مالِـكٍ



إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِـمَا لَم تَعْلَمِـي



إِذْ لا أزَالُ عَلَى رِحَالـةِ سَابِـحٍ



نَهْـدٍ تعـاوَرُهُ الكُمـاةُ مُكَلَّـمِ



طَـوْراً يُـجَرَّدُ للطَّعانِ وتَـارَةً



يَأْوِي إلى حَصِدِ القِسِيِّ عَرَمْـرِمِ



يُخْبِـركِ مَنْ شَهَدَ الوَقيعَةَ أنَّنِـي



أَغْشى الوَغَى وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ



ومُـدَّجِجٍ كَـرِهَ الكُماةُ نِزَالَـهُ



لامُمْعـنٍ هَـرَباً ولا مُسْتَسْلِـمِ



جَـادَتْ لهُ كَفِّي بِعاجِلِ طَعْنـةٍ



بِمُثَقَّـفٍ صَدْقِ الكُعُوبِ مُقَـوَّمِ



فَشَكَكْـتُ بِالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيابـهُ



ليـسَ الكَريمُ على القَنا بِمُحَـرَّمِ



فتَـركْتُهُ جَزَرَ السِّبَـاعِ يَنَشْنَـهُ



يَقْضِمْـنَ حُسْنَ بَنانهِ والمِعْصَـمِ



ومِشَكِّ سابِغةٍ هَتَكْتُ فُروجَهـا



بِالسَّيف عنْ حَامِي الحَقيقَة مُعْلِـمِ



رَبِـذٍ يَـدَاهُ بالقِـدَاح إِذَا شَتَـا



هَتَّـاكِ غَايـاتِ التَّجـارِ مُلَـوَّمِ



لـمَّا رَآنِي قَـدْ نَزَلـتُ أُريـدُهُ



أَبْـدَى نَواجِـذَهُ لِغَيـرِ تَبَسُّـمِ



عَهـدِي بِهِ مَدَّ النَّهـارِ كَأَنَّمـا



خُضِـبَ البَنَانُ ورَأُسُهُ بِالعَظْلَـمِ



فَطعنْتُـهُ بِالرُّمْـحِ ثُـمَّ عَلَوْتُـهُ



بِمُهَنَّـدٍ صافِي الحَديدَةِ مِخْـذَمِ



بَطـلٌ كأَنَّ ثِيـابَهُ في سَرْجـةٍ



يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ ليْسَ بِتَـوْأَمِ



ياشَـاةَ ما قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لـهُ



حَـرُمَتْ عَلَيَّ وَلَيْتَها لم تَحْـرُمِ



فَبَعَثْتُ جَارِيَتي فَقُلْتُ لها اذْهَبـي



فَتَجَسَّسِي أَخْبارَها لِيَ واعْلَمِـي



قَالتْ : رَأيتُ مِنَ الأَعادِي غِـرَّةً



والشَاةُ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ هُو مُرْتَمـي



وكـأَنَّمَا التَفَتَتْ بِجِيدِ جَدَايـةٍ



رَشَـاءٍ مِنَ الغِـزْلانِ حُرٍ أَرْثَـمِ



نُبّئـتُ عَمْراً غَيْرَ شاكِرِ نِعْمَتِـي



والكُـفْرُ مَخْبَثَـةٌ لِنَفْسِ المُنْعِـمِ



ولقَدْ حَفِظْتُ وَصَاةَ عَمِّي بِالضُّحَى



إِذْ تَقْلِصُ الشَّفَتَانِ عَنْ وَضَحِ الفَمِ



في حَوْمَةِ الحَرْبِ التي لا تَشْتَكِـي



غَمَـرَاتِها الأَبْطَالُ غَيْرَ تَغَمْغُـمِ



إِذْ يَتَّقُـونَ بـيَ الأَسِنَّةَ لم أَخِـمْ



عَنْـها ولَكنِّي تَضَايَقَ مُقْدَمـي



لـمَّا رَأيْتُ القَوْمَ أقْبَلَ جَمْعُهُـمْ



يَتَـذَامَرُونَ كَرَرْتُ غَيْرَ مُذَمَّـمِ



يَدْعُـونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كأَنَّهـا



أشْطَـانُ بِئْـرٍ في لَبانِ الأَدْهَـمِ



مازِلْـتُ أَرْمِيهُـمْ بِثُغْرَةِ نَحْـرِهِ



ولِبـانِهِ حَتَّـى تَسَـرْبَلَ بِالـدَّمِ



فَـازْوَرَّ مِنْ وَقْـعِ القَنا بِلِبانِـهِ



وشَـكَا إِلَىَّ بِعَبْـرَةٍ وَتَحَمْحُـمِ



لو كانَ يَدْرِي مَا المُحاوَرَةُ اشْتَكَى



وَلَـكانَ لو عَلِمْ الكَلامَ مُكَلِّمِـي



ولقَـدْ شَفَى نَفْسي وَأَذهَبَ سُقْمَهَـا



قِيْلُ الفَـوارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْـدِمِ



والخَيـلُ تَقْتَحِمُ الخَبَارَ عَوَابِسـاً



مِن بَيْنَ شَيْظَمَـةٍ وَآخَرَ شَيْظَـمِ



ذُللٌ رِكَابِي حَيْثُ شِئْتُ مُشَايعِي



لُـبِّي وأَحْفِـزُهُ بِأَمْـرٍ مُبْـرَمِ



ولقَدْ خَشَيْتُ بِأَنْ أَمُوتَ ولَم تَـدُرْ



للحَرْبِ دَائِرَةٌ على ابْنَي ضَمْضَـمِ



الشَّـاتِمِيْ عِرْضِي ولَم أَشْتِمْهُمَـا



والنَّـاذِرَيْـنِ إِذْ لَم أَلقَهُمَا دَمِـي



إِنْ يَفْعَـلا فَلَقَدْ تَرَكتُ أَباهُمَـا



جَـزَرَ السِّباعِ وكُلِّ نِسْرٍ قَشْعَـمِ




يتبع

على النيه 05-04-2010 07:24 PM

عشقي ثرى حايل
أهلآ بكِ وبجمال حضووركِ
ثنائك محل امتنان
لروحك نقاء ياسمينه

على النيه 05-04-2010 07:24 PM

انفاس الرحيل
أهلآ بكِ وبجمال حضووركِ
ثنائك محل امتنان
لروحك نقاء ياسمينه

على النيه 05-04-2010 07:25 PM

انسه فوشيه

أهلآ بكِ وبجمال حضووركِ
ثنائك محل امتنان
لروحك نقاء ياسمينه

على النيه 05-04-2010 07:26 PM

سلطان
شاكره لك جمال حضورك
ثنائك محل امتنان
لروحك نقاء ياسمينه

جـــود 05-05-2010 09:18 PM

طرح مميز وجهد رآئعـ

على النية

سلمتي يالغلا ودمتي

جود

على النيه 05-07-2010 06:17 PM

جود

أهلآ بكِ وبجمال حضووركِ
ثنائك محل امتنان
لروحك نقاء ياسمينه

عقاب النهار 05-08-2010 02:23 AM

على النيه
لك التميز دوما بالاختيار والانتقاء
للمواضيع القيمه
كل الشكر لك على هذا الطرح الفاخر

تقديرى واحترامى

حمدان سليمان 05-08-2010 05:24 PM

صح لسااانك وتسلم أيدك

لي عوده بإذن الكريم

هيك موضوع ما يبيله مرور الكرام

ويستحق الإشااااادهـ

لي عودهـ


α7łαяǒǿ7 05-08-2010 06:02 PM

شاعرتنا الرآئعة ...

جهد مميز ورآئع كروعتك يالغلا ..

دمت متألقة ..

تقديري لكـ

على النيه 05-08-2010 11:34 PM

" الحارث بن حلزة "


سيـــرتهـ الذآتيــهـ :
الحارث بن حلزة واسمه الحارث بن ظليم بن حلزّة اليشكري، من عظماء قبيلة بكر بن وائل، كان شديد الفخر بقومه حتى ضرب به المثل فقيل «أفخر من الحارث بن حلزة»، ولم يبق لنا من أخباره إلا ما كان من أمر الاحتكام إلى عمرو بن هند (في 554 - 569 م) لأجل حل الخلاف الذي وقع بين قبيلتي بكر وتغلب. توفي سنة 580 م، أي في أواخر القرن السادس الميلادي على وجه التقريب.





أنشد الشاعر هذه المعلقة في حضرة الملك عمرو بن هند رداً على عمرو بن كلثوم. وقيل أنه قد أعدّها وروّاها جماعة من قومه لينشدوها نيابة عنه لأنه كان برص وكره أن ينشدها من وراء سبعة ستور ثم يغسل أثره بالماء، كما كان يفعل بسائر البرص ثم عدل عن رأيه وقام بإنشادها بين يدي الملك وبنفس الشروط السابقة. لما سمعها الملك وقد وقعت في نفسه موقعاً حسناً أمر برفع الستور وأدناه منه وأطمعه في جفنته ومنع أن يغسل أثره بالماء.



كان الباعث الأساسي لإنشاد المعلقة دفاع الشاعر عن قومه وتفنيد أقوال خصمه عمرو بن كلثوم. تقع المعلقة في خمس وثمانين بيتاً، نظمت بين عامي 554 و569 م. شرحها الزوزني وطبعت في إكسفورد عام 1820 م ثم في بونا سنة 1827 م. ترجمت إلى اللاتينية والفرنسية.



وهي قصيدة همزية على البحر الخفيف وتقسم إلى:



1. مقدمة: فيها وقوف بالديار وبكاء على الأحبة ووصف للناقة (الأبيات 1 - 14)

2. المضمون: تكذيب أقوال التغلبيين من (الأبيات 15 - 20) وعدم اكتراث الشاعر وقومه بالوشايات (الأبيات 21 - 31) ومفاخر البكريين (الأبيات 32 - 39) ومخازي التغلبيين ونقضهم للسلم (الأبيات 40 - 55) واستمالة الملك وذكر العداوة (الأبيات 59 - 64) ومدح الملك (الأبيات 65 - 68) وخدم البكريين للملك (الأبيات 69 - 83) القرابة بينهم وبين الملك (الأبيات 84 - 85).



وتعتبر هذه المعلقة نموذج للفن الرفيع في الخطابة والشعر الملحمي وفيها قيمة أدبية وتاريخية كبيرة تتجلى فيها قوة الفكر عند الشاعر ونفاذ الحجة كما أنها تحوي القصص وألوانا من التشبيه الحسّي كتصوير الأصوات والاستعداد للحرب وفيها من الرزانة ما يجعله أفضل مثال للشعر السياسي والخطابي في ذلك العصر.



وهذا مطلع المعلقة:



آذَنَتنَـا بِبَينهـا أَسـمَــاءُ



رُبَّ ثَـاوٍ يَمَـلُّ مِنهُ الثَّـواءُ



بَعـدَ عَهـدٍ لَنا بِبُرقَةِ شَمَّـاءَ



فَأَدنَـى دِيَـارِهـا الخَلْصَـاءُ



فَالـمحيّاةُ فَالصّفاجُ فَأعْنَـاقُ



فِتَـاقٍ فَعـاذِبٌ فَالوَفــاءُ



فَـريَاضُ القَطَـا فَأوْدِيَةُ الشُـ



ـربُبِ فَالشُعبَتَـانِ فَالأَبْـلاءُ



لا أَرَى مَن عَهِدتُ فِيهَا فَأبْكِي



اليَـومَ دَلهاً وَمَا يُحَيِّرُ البُكَـاءُ



وبِعَينَيـكَ أَوقَدَت هِندٌ النَّـارَ



أَخِيـراً تُلـوِي بِهَا العَلْيَـاءُ



فَتَنَـوَّرتُ نَارَهَـا مِن بَعِيـدٍ



بِخَزَازى هَيهَاتَ مِنكَ الصَّلاءُ



أَوقَدتها بَينَ العَقِيقِ فَشَخصَينِ



بِعُـودٍ كَمَا يَلُـوحُ الضِيـاءُ



غَيرَ أَنِّي قَد أَستَعِينُ عَلَىالهَـمِّ



إِذَا خَـفَّ بِالثَّـوِيِّ النَجَـاءُ



بِـزَفُـوفٍ كَأَنَّهـا هِقَلـةٌ



أُمُّ رِئَـالٍ دَوِيَّـةٌ سَقْفَــاءُ



آنَسَت نَبأَةً وأَفْزَعَها القَنَّـاصُ



عَصـراً وَقَـد دَنَا الإِمْسَـاءُ



فَتَـرَى خَلْفَها مِنَ الرَّجعِ وَالـ



ـوَقْـعِ مَنِيناً كَـأَنَّهُ إِهْبَـاءُ



وَطِـرَاقاً مِن خَلفِهِنَّ طِـرَاقٌ



سَاقِطَاتٌ أَلوَتْ بِهَا الصَحـرَاءُ



أَتَلَهَّـى بِهَا الهَوَاجِرَ إِذ كُـلُّ



ابـنَ هَـمٍّ بَلِيَّـةٌ عَميَــاءُ



وأَتَانَا مِنَ الحَـوَادِثِ والأَنبَـاءِ



خَطـبٌ نُعنَـى بِـهِ وَنُسَـاءُ



إِنَّ إِخـوَانَنا الأَرَاقِمَ يَغلُـونَ



عَلَينَـا فِـي قَيلِهِـم إِخْفَـاءُ



يَخلِطُونَ البَرِيءَ مِنَّا بِذِي الـ



ـذَنبِ وَلا يَنفَعُ الخَلِيَّ الخِلاءُ



زَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَن ضَرَبَ العِيرَ



مُـوَالٍ لَنَـا وَأَنَـا الــوَلاءُ



أَجـمَعُوا أَمرَهُم عِشاءً فَلَمَّـا



أَصبَحُوا أَصبَحَت لَهُم ضَوْضَـاءُ



مِن مُنَـادٍ وَمِن مُجِيـبٍ وَمِـن



تَصهَالِ خَيلٍ خِلالَ ذَاكَ رُغَـاءُ



أَيُّهَـا النَاطِـقُ المُرَقِّـشُ عَنَّـا



عِنـدَ عَمـروٍ وَهَل لِذَاكَ بَقَـاءُ



لا تَخَلنَـا عَلَى غِـرَاتِك إِنّــا



قَبلُ مَا قَد وَشَـى بِنَا الأَعْــدَاءُ



فَبَقَينَـا عَلَـى الشَنــــاءَةِ



تَنمِينَـا حُصُونٌ وَعِزَّةٌ قَعسَــاءُ



قَبلَ مَا اليَـومِ بَيَّضَت بِعُيــونِ



النَّـاسِ فِيهَـا تَغَيُّـظٌ وَإِبَــاءُ



فَكَـأَنَّ المَنونَ تَردِي بِنَا أَرعَــنَ



جَـوناً يَنجَـابُ عَنهُ العَمــاءُ



مُكفَهِراً عَلَى الحَوَادِثِ لا تَرتُـوهُ



للدَهـرِ مُؤَيِّـدٌ صَمَّـــاءُ



إِرمِـيٌّ بِمِثلِـهِ جَالَتِ الخَيــلُ



فَـآبَت لِخَصمِهَـا الإِجــلاَءُ



مَلِكٌ مُقسِطٌ وأَفضَلُ مَن يَمشِـي



وَمِـن دُونَ مَا لَـدَيـهِ الثَّنَـاءُ



أَيَّمَـا خُطَّـةٍ أَرَدتُـم فَأَدوهَـا



إِلَينَـا تُشفَـى بِهَـا الأَمــلاءُ



إِن نَبَشتُـم مَا بَيـنَ مِلحَـةَ فَالـ



ـصَاقِبِ فِيهِ الأَموَاتُ وَالأَحَيَـاءُ



أَو نَقَشتُـم فَالنَّقـشُ يَجشَمُــهُ



النَّـاسُ وَفِيهِ الإِسقَامُ وَالإِبــرَاءُ



أَو سَكَتُّم عَنَّا فَكُنَّا كَمَن أَغمَـضَ



عَينـاً فِـي جَفنِهَـا الأَقــذَاءُ



أَو مَنَعتُم مَا تُسأَلُونَ فَمَن حُــدِّ



ثتُمُـوهُ لَـهُ عَلَينَـا العَـــلاءُ



هَل عَلِمتُم أَيَّامَ يُنتَهَبُ النَّــاسُ



غِـوَاراً لِكُـلِّ حَـيٍّ عُــواءُ



إِذ رَفَعنَا الجِمَـالَ مِن سَعَفِ الـ



ـبَحرَينِ سَيراً حَتَّى نَهَاهَا الحِسَاءُ



ثُمَّ مِلنَـا عَلَى تَمِيمٍ فَأَحرَمنَــا



وَفِينَـا بَنَـاتُ قَـومٍ إِمَـــاءُ



لا يُقِيـمُ العَزيزُ بِالبَلَدِ السَهــلِ



وَلا يَنفَـعُ الـذَّلِيـلَ النِجَــاءُ



لَيـسَ يُنجِي الذِي يُوَائِل مِنَّــا



رَأْسُ طَـوْدٍ وَحَـرَّةٌ رَجــلاءُ



مَلِكٌ أَضلَـعَ البَرِيَّةِ لا يُوجَــدُ



فِيهَـا لِمَـا لَدَيـهِ كِفَـــاءُ



كَتَكَـالِيفِ قَومِنَا إِذَا غَزَا المَنـذِرُ



هَلِ نَحـنُ لابنِ هِنـدٍ رِعَــاءُ



مَا أَصَابُوا مِن تَغلَبِي فَمَطَلــولٌ



عَلَيـهِ إِذَا أُصِيـبَ العَفَـــاءُ



إِذَ أَحَـلَّ العَلاةَ قُبَّةَ مَيسُــونَ



فَأَدنَـى دِيَارِهَـا العَوصَــاءُ



فَتَـأَوَّت لَـهُ قَرَاضِبَـةٌ مِــن



كُـلِّ حَـيٍّ كَأَنَّهُـم أَلقَــاءُ



فَهَداهُم بِالأَسـوَدَينِ وأَمـرُ اللهِ



بَالِـغٌ تَشقَـى بِهِ الأَشقِيَــاءُ



إِذ تَمَنَّونَهُم غُـرُوراً فَسَاقَتهُـم



إِلَيكُـم أُمنِيَّـةٌ أَشــــرَاءُ



لَم يَغُـرّوكُم غُرُوراً وَلَكــن



رَفـَعَ الآلُ شَخصَهُم وَالضَحَـاءُ



أَيُّهـا النَاطِـقُ المُبَلِّـغُ عَنَّــا



عِنـدَ عَمروٍ وَهَل لِذَكَ انتِهَـاءُ



مَن لَنَـا عِنـدَهُ مِـنَ الخَيـرِ



آيَاتٌ ثَلاثٌ فِي كُلِّهِـنَّ القَضَـاءُ



آيَةٌ شَارِقُ الشّقِيقَةِ إِذَا جَـاءَت



مَعَـدٌّ لِكُـلِّ حَـيٍّ لِـوَاءُ



حَولَ قَيسٍ مُستَلئِمِينَ بِكَبـشٍ



قَـرَظِـيٍ كَـأَنَّـهُ عَبـلاءُ



وَصَتِيتٍ مِنَ العَواتِكِ لا تَنهَـاهُ



إِلاَّ مُبيَضَّــةٌ رَعــــلاءُ



فَرَدَدنَاهُمُ بِطَعنٍ كَمَا يَخـرُجُ



مِـن خُـربَةِ الـمَزَادِ المَـاءُ



وَحَمَلنَاهُمُ عَلَى حَزمِ ثَهـلانِ



شِـلالاً وَدُمِّـيَ الأَنسَــاءُ



وَجَبَهنَـاهُمُ بِطَعنٍ كَمَا تُنهَـزُ



فِي جَـمَّةِ الطَـوِيِّ الـدِلاءُ



وَفَعَلنَـا بِهِـم كَمَا عَلِـمَ اللهُ



ومَـا أَن للحَائِنِيـنَ دِمَــاءُ



ثُمَّ حُجـراً أَعنَي ابنَ أُمِّ قَطَـامٍ



وَلَـهُ فـَارِسِيَّـةٌ خَضــرَاءُ



أَسَـدٌ فِي اللِقَاءِ وَردٌ هَمُـوسٌ



وَرَبِيـعٌ إِن شَمَّـرَت غَبــرَاءُ



وَفَكَكنَا غُلَّ امرِيِء القَيسِ عَنـهُ



بَعـدَ مَا طَالَ حَبسُـهُ والعَنَـاءُ



وَمَعَ الجَـونِ جَونِ آلِ بَنِي الأَوسِ



عَتُـودٌ كَـأَنَّهـا دَفـــوَاءُ



مَا جَزِعنَا تَحتَ العَجَاجَةِ إِذ وَلُّوا



شِـلالاً وَإِذ تَلَظَّـى الصِــلاءُ



وَأَقَـدنَاهُ رَبَّ غَسَّـانَ بِالمُنـذِرِ



كَـرهاً إِذ لا تُكَـالُ الدِمَــاءُ



وأَتَينَـاهُمُ بِتِسعَـةِ أَمـــلاكٍ



كِـرَامٍ أَسـلابُهُـم أَغــلاءُ



وَوَلَـدنَا عَمـرو بنِ أُمِّ أنَـاسٍ



مِن قَـرِيبٍ لَمَّـا أَتَانَا الحِبَـاءُ



مِثلُهَـا تُخرِجُ النَصِيحةَ للقَـومِ



فَـلاةٌ مِـن دُونِهَـا أَفــلاءُ



فَاتْرُكُوا الطَيخَ والتَعَاشِي وَإِمّـا



تَتَعَاشَـوا فَفِـي التَعَاشِي الـدَّاءُ



وَاذكُرُوا حِلفَ ذِي المَجَازِ وَمَـا



قُـدِّمَ فِيهِ العُهُـودُ وَالكُفَـلاءُ



حَذَرَ الجَورِ وَالتَعدِّي وَهَل يَنقُضُ



مَـا فِـي المَهَـارِقِ الأَهـوَاءُ



وَاعلَمُـوا أَنَّنَـا وَإِيَّاكُم فِي مَـا



إِشتَرَطنَـا يَومَ إِختَلَفنَـا سَـوَاءُ



عَنَنـاً بَاطِلاً وَظُلماً كَمَا تُعتَـرُ



عَن حَجـرَةِ الرَبِيـضِ الظَّبَـاءُ



أَعَلَينَـا جُنَـاحُ كِندَةَ أَن يَغنَـمَ



غَـازِيهُـمُ وَمِنَّـا الجَـــزَاءُ



أَم عَلَينَـا جَرَّى إيَادٍ كَمَا نِيـطَ



بِـجَـوزِ المُحمَّـلِ الأَعبَــاءُ



لَيـسَ منَّا المُضَـرَّبُونَ وَلا قَيــسٌ



وَلا جَـندَلٌ وَلا الحَــــذَّاءُ



أَم جَـنَايَا بَنِي عَتِيـقٍ فَـإِنَّـا



مِنكُـم إِن غَـدَرتُـم بُــرَآءُ



وَثَمَانُـونَ مِن تَمِيـمٍ بِأَيدِيهِـم



رِمَـاحٌ صُـدُورُهُـنَّ القَضَـاءُ



تَرَكُـوهُـم مُلَحَّبِيـنَ فَآبُـوا



بِنَهـابٍ يَصَـمُّ مِنهَا الحُــدَاءُ



أَم عَلَينَـا جَـرَّى حَنِيفَةَ أَمَّــا



جَمَّعَـت مِن مُحَـارِبٍ غَبـرَاءُ



أَم عَلَينَا جَـرَّى قُضَاعَةَ أَم لَيـسَ



عَلَينَـا فِـي مَا جَـنَوا أَنــدَاءُ



ثُمَّ جَاؤوا يَستَرجِعُونَ فَلَم تَرجِـع



لَهُـم شَـامَـةٌ وَلا زَهـــرَاءُ



لَم يُخَـلَّوا بَنِـي رِزَاحٍ بِبَرقَـاءِ



نِطَـاعٍ لَهُـم عَلَيهُـم دُعَــاءُ



ثُمَّ فَـاؤوا مِنهُم بِقَاصِمَةِ الظَّهـرِ



وَلا يَبـرُدُ الغَلِيـلَ المَــــاءُ



ثُمَّ خَيلٌ مِن بَعدِ ذَاكَ مَعَ الغَـلاَّقِ



لا رَأَفَــةٌ وَلا إِبقَـــــاءُ



وَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيـدُ عَلَى يَـومِ



الحَيـارَينِ وَالبَـلاءُ بَــــلاءُ

على النيه 05-08-2010 11:35 PM

" الأعشى الكبيـر "




سيـــرتهـ الذآتيــهـ :

أعشى قيس ت(7 هـ/629 م) هو ميمون بن قيس، من بني قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل. لقب بالأعشى لأنه كان ضعيف البصر، والأعشى في اللغة هو الذي لا يرى ليلا ويقال له : أعشى قيس والأعشى الأكبر . ويكنى الأعشى : أبا بصير، تفاؤلاً .



هو من فحول الشعراء في الجاهلية. وسئل يونس عن أشعر الناس فقال : "امرؤ القيس اذا غضب ، والنابغة اذا رهب، وزهير اذا رغب، والأعشى اذا طرب".



له القصائد الطوال الجياد . يتغنى بشعره فسموه : "صناجة العرب" - ويقولون ان الأعشى هو أول من انتجع بشعره، يقصدون بذلك انه كان يمدح لطلب المال. ولم يكن يمدح قوماً الا رفعهم، ولم يهج قوماً الا وضعهم لأنه من أسير الناس شعراً وأعظمهم فيه حظاً . ألم يزوج بنات المحلق بابيات قالها فيه، كما جاء في كتب الأدب اشتهر بمنافرة له مع علقمة الفحل . امتاز عن معظم شعراء الجاهلية بوصف الخمر .



شعره من الطبقة الأولى. وجود في أبواب الشعر كافة. الا أن معظم شعره لم يتصل بنا ولا نعلم له الا قصائد معدودة أشهرها "ودع هريرة" وقد عدها البعض من المعلقات .



أما معلقته فمطلعها :



ما بكاء الكبير في الأطلال / وسؤالي وما ترد سؤالي



وقد ترجم بعض قصائده الطوال، المستشرق الالماني "غاير" منها : قصيدته المعلقة، والقصيدة الثانية "ودع هريرة". وقد عني بشرحها مطولاً، وطبعت معلقته في كتاب : المعلقات العشر .





وَدّعْ هُرَيْـرَةَ إنّ الرَّكْـبَ مرْتَحِـلُ



وَهَلْ تُطِيقُ وَداعـاً أيّهَـا الرّجُـلُ ؟



غَـرَّاءُ فَرْعَـاءُ مَصْقُـولٌ عَوَارِضُـهَا



تَمشِي الهُوَينَا كَمَا يَمشِي الوَجي الوَحِلُ



كَـأَنَّ مِشْيَتَـهَا مِنْ بَيْـتِ جَارَتِهَـا



مَرُّ السَّحَابَةِ ، لاَ رَيْـثٌ وَلاَ عَجَـلُ



تَسمَعُ للحَلِي وَسْوَاساً إِذَا انصَرَفَـتْ



كَمَا استَعَانَ برِيـحٍ عِشـرِقٌ زَجِـلُ



لَيستْ كَمَنْ يكرَهُ الجِيـرَانُ طَلعَتَـهَا



وَلاَ تَـرَاهَـا لسِـرِّ الجَـارِ تَخْتَتِـلُ



يَكَـادُ يَصرَعُهَـا ، لَـوْلاَ تَشَدُّدُهَـا



إِذَا تَقُـومُ إلـى جَارَاتِهَـا الكَسَـلُ



إِذَا تُعَالِـجُ قِـرْنـاً سَاعـةً فَتَـرَتْ



وَاهتَزَّ مِنهَا ذَنُـوبُ المَتـنِ وَالكَفَـلُ



مِلءُ الوِشَاحِ وَصِفْرُ الـدّرْعِ بَهكنَـةٌ



إِذَا تَأتّـى يَكَـادُ الخَصْـرُ يَنْخَـزِلُ



صَدَّتْ هُرَيْـرَةُ عَنَّـا مَـا تُكَلّمُنَـا



جَهْلاً بأُمّ خُلَيْدٍ حَبـلَ مَنْ تَصِـلُ ؟



أَأَنْ رَأَتْ رَجُلاً أَعْشَـى أَضَـرَّ بِـهِ



رَيبُ المَنُونِ ، وَدَهْـرٌ مفنِـدٌ خَبِـلُ



نِعمَ الضَّجِيعُ غَداةَ الدَّجـنِ يَصرَعهَـا



لِلَّـذَّةِ المَـرْءِ لاَ جَـافٍ وَلاَ تَفِـلُ



هِرْكَـوْلَـةٌ ، فُنُـقٌ ، دُرْمٌ مَرَافِقُـهَا



كَـأَنَّ أَخْمَصَـهَا بِالشّـوْكِ مُنْتَعِـلُ



إِذَا تَقُومُ يَضُـوعُ المِسْـكُ أصْـوِرَةً



وَالزَّنْبَقُ الـوَرْدُ مِنْ أَرْدَانِهَـا شَمِـلُ



ما رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الحَـزْنِ مُعشبـةٌ



خَضرَاءُ جَادَ عَلَيـهَا مُسْبِـلٌ هَطِـلُ



يُضَاحكُ الشَّمسَ مِنهَا كَوكَبٌ شَرِقٌ



مُـؤزَّرٌ بِعَمِيـمِ الـنَّبْـتِ مُكْتَهِـلُ



يَوْماً بِأَطْيَـبَ مِنْـهَا نَشْـرَ رَائِحَـةٍ



وَلاَ بِأَحسَنَ مِنـهَا إِذْ دَنَـا الأُصُـلُ



عُلّقْتُهَا عَرَضـاً ، وَعُلّقَـتْ رَجُـلاً



غَيرِي ، وَعُلّقَ أُخرَى غَيرَهَا الرَّجـلُ



وَعُلّقَتْـهُ فَـتَـاةٌ مَـا يُحَـاوِلُهَـا



مِنْ أهلِها مَيّتٌ يَهْـذِي بِهَـا وَهـلُ



وَعُلّقَتْنِـي أُخَيْـرَى مَـا تُلائِمُنِـي



فَاجتَمَعَ الحُـبّ حُبًّـا كُلّـهُ تَبِـلُ



فَكُلّنَـا مُغْـرَمٌ يَهْـذِي بِصَـاحِبِـهِ



نَــاءٍ وَدَانٍ ، وَمَحْبُـولٌ وَمُحْتَبِـلُ



قَالَتْ هُرَيـرَةُ لَمَّـا جِئـتُ زَائِرَهَـا



وَيْلِي عَلَيكَ ، وَوَيلِي مِنـكَ يَا رَجُـلُ



يَا مَنْ يَرَى عَارِضاً قَـدْ بِـتُّ أَرْقُبُـهُ



كَأَنَّمَا البَـرْقُ فِي حَافَاتِـهِ الشُّعَـلُ



لَـهُ رِدَافٌ ، وَجَـوْزٌ مُفْـأمٌ عَمِـلٌ



مُنَطَّـقٌ بِسِجَـالِ الـمَـاءِ مُتّصِـلُ



لَمْ يُلْهِنِي اللَّهْوُ عَنْـهُ حِيـنَ أَرْقُبُـهُ



وَلاَ اللَّذَاذَةُ مِنْ كَـأسٍ وَلاَ الكَسَـلُ



فَقُلتُ للشَّرْبِ فِي دُرْنِى وَقَدْ ثَمِلُـوا



شِيمُوا ، وَكَيفَ يَشِيمُ الشَّارِبُ الثَّمِلُ



بَرْقاً يُضِـيءُ عَلَى أَجـزَاعِ مَسْقطِـهِ



وَبِالـخَبِيّـةِ مِنْـهُ عَـارِضٌ هَطِـلُ



قَالُوا نِمَارٌ ، فبَطنُ الخَـالِ جَادَهُمَـا



فَالعَسْجَـدِيَّـةُ فَالأبْـلاءُ فَالرِّجَـلُ



فَالسَّفْحُ يَجـرِي فَخِنْزِيـرٌ فَبُرْقَتُـهُ



حَتَّى تَدَافَعَ مِنْـهُ الرَّبْـوُ ، فَالجَبَـلُ



حَتَّى تَحَمَّـلَ مِنْـهُ الـمَاءَ تَكْلِفَـةً



رَوْضُ القَطَا فكَثيبُ الغَينـةِ السَّهِـلُ



يَسقِي دِيَاراً لَهَا قَدْ أَصْبَحَـتْ عُزَبـاً



زُوراً تَجَانَفَ عَنهَا القَـوْدُ وَالرَّسَـلُ



وَبَلـدَةٍ مِثـلِ التُّـرْسِ مُـوحِشَـةٍ



للجِنّ بِاللّيْـلِ فِي حَافَاتِهَـا زَجَـلُ



لاَ يَتَمَنّـى لَهَـا بِالقَيْـظِ يَرْكَبُـهَا



إِلاَّ الَّذِينَ لَهُـمْ فِيـمَا أَتَـوْا مَهَـلُ



جَاوَزْتُهَـا بِطَلِيـحٍ جَسْـرَةٍ سُـرُحٍ



فِي مِرْفَقَيـهَا إِذَا استَعرَضْتَـها فَتَـلُ



إِمَّـا تَرَيْنَـا حُفَـاةً لاَ نِعَـالَ لَنَـا



إِنَّا كَـذَلِكَ مَـا نَحْفَـى وَنَنْتَعِـلُ



فَقَدْ أُخَالِـسُ رَبَّ البَيْـتِ غَفْلَتَـهُ



وَقَدْ يُحَـاذِرُ مِنِّـي ثُـمّ مَـا يَئِـلُ



وَقَدْ أَقُودُ الصِّبَـى يَوْمـاً فيَتْبَعُنِـي



وَقَدْ يُصَاحِبُنِـي ذُو الشّـرّةِ الغَـزِلُ



وَقَدْ غَدَوْتُ إلى الحَانُـوتِ يَتْبَعُنِـي



شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُـولٌ شُلشُـلٌ شَـوِلُ



فِي فِتيَةٍ كَسُيُوفِ الـهِندِ قَدْ عَلِمُـوا



أَنْ لَيسَ يَدفَعُ عَنْ ذِي الحِيلةِ الحِيَـلُ



نَازَعتُهُمْ قُضُـبَ الرَّيْحَـانِ مُتَّكِئـاً



وَقَهْـوَةً مُـزّةً رَاوُوقُهَـا خَـضِـلُ



لاَ يَستَفِيقُـونَ مِنـهَا ، وَهيَ رَاهنَـةٌ



إِلاَّ بِهَـاتِ ! وَإنْ عَلّـوا وَإِنْ نَهِلُـوا



يَسعَى بِهَا ذُو زُجَاجَـاتٍ لَهُ نُطَـفٌ



مُقَلِّـصٌ أَسفَـلَ السِّرْبَـالِ مُعتَمِـلُ



وَمُستَجيبٍ تَخَالُ الصَّنـجَ يَسمَعُـهُ



إِذَا تُـرَجِّـعُ فِيـهِ القَيْنَـةُ الفُضُـلُ



مِنْ كُلّ ذَلِكَ يَـوْمٌ قَدْ لَهَـوْتُ بِـهِ



وَفِي التَّجَارِبِ طُولُ اللَّهـوِ وَالغَـزَلُ



وَالسَّاحِبَـاتُ ذُيُـولَ الخَـزّ آونَـةً



وَالرّافِلاتُ عَلَـى أَعْجَازِهَـا العِجَـلُ



أَبْلِـغْ يَزِيـدَ بَنِـي شَيْبَـانَ مَألُكَـةً



أَبَـا ثُبَيْـتٍ ! أَمَا تَنفَـكُّ تأتَكِـلُ ؟



ألَسْتَ مُنْتَهِيـاً عَـنْ نَحْـتِ أثلَتِنَـا



وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَـا أَطَّـتِ الإبِـلُ



تُغْرِي بِنَا رَهْـطَ مَسعُـودٍ وَإخْوَتِـهِ



عِندَ اللِّقَـاءِ ، فتُـرْدِي ثُـمَّ تَعتَـزِلُ



لأَعْـرِفَنّـكَ إِنْ جَـدَّ النَّفِيـرُ بِنَـا



وَشُبّتِ الحَرْبُ بالطُّـوَّافِ وَاحتَمَلُـوا



كَنَاطِـحٍ صَخـرَةً يَوْمـاً ليَفْلِقَـهَا



فَلَمْ يَضِرْها وَأوْهَـى قَرْنَـهُ الوَعِـلُ



لأَعْـرِفَنَّـكَ إِنْ جَـدَّتْ عَدَاوَتُنَـا



وَالتُمِسَ النَّصرُ مِنكُم عوْضُ تُحتمـلُ



تُلزِمُ أرْمـاحَ ذِي الجَدّيـنِ سَوْرَتَنَـا



عِنْـدَ اللِّقَـاءِ ، فتُرْدِيِهِـمْ وَتَعْتَـزِلُ



لاَ تَقْعُـدَنّ ، وَقَـدْ أَكَّلْتَـهَا حَطَبـاً



تَعُـوذُ مِنْ شَرِّهَـا يَوْمـاً وَتَبْتَهِـلُ



قَدْ كَانَ فِي أَهلِ كَهفٍ إِنْ هُمُ قَعَـدُوا



وَالجَاشِرِيَّـةِ مَـنْ يَسْعَـى وَيَنتَضِـلُ



سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ عَنَّار ، فَقَـدْ عَلِمُـوا



أَنْ سَوْفَ يَأتِيكَ مِنْ أَنبَائِنَـا شَكَـلُ



وَاسْـأَلْ قُشَيـراً وَعَبْـدَ اللهِ كُلَّهُـمُ



وَاسْألْ رَبِيعَـةَ عَنَّـا كَيْـفَ نَفْتَعِـلُ



إِنَّـا نُقَـاتِلُهُـمْ ثُـمَّـتَ نَقْتُلُهُـمْ



عِندَ اللِّقَاءِ ، وَهُمْ جَارُوا وَهُمْ جَهِلُـوا



كَـلاَّ زَعَمْتُـمْ بِـأنَّـا لاَ نُقَاتِلُكُـمْ



إِنَّا لأَمْثَالِكُـمْ ، يَـا قَوْمَنَـا ، قُتُـلُ



حَتَّى يَظَـلّ عَمِيـدُ القَـوْمِ مُتَّكِئـاً



يَدْفَعُ بالـرَّاحِ عَنْـهُ نِسـوَةٌ عُجُـلُ



أصَـابَـهُ هِنْـدُوَانـيٌّ ، فَأقْصَـدَهُ



أَوْ ذَابِلٌ مِنْ رِمَـاحِ الخَـطِّ مُعتَـدِلُ



قَدْ نَطْعنُ العَيـرَ فِي مَكنُـونِ فَائِلِـهِ



وَقَدْ يَشِيـطُ عَلَى أَرْمَاحِنَـا البَطَـلُ



هَلْ تَنْتَهُونَ ؟ وَلاَ يَنهَى ذَوِي شَطَـطٍ



كَالطَّعنِ يَذهَبُ فِيهِ الزَّيـتُ وَالفُتُـلُ



إِنِّي لَعَمْـرُ الَّذِي خَطَّـتْ مَنَاسِمُـهَا



لَـهُ وَسِيـقَ إِلَيْـهِ البَـاقِـرُ الغُيُـلُ



لَئِنْ قَتَلْتُمْ عَمِيـداً لَمْ يكُـنْ صَـدَداً



لَنَقْتُلَـنْ مِثْـلَـهُ مِنكُـمْ فنَمتَثِـلُ



لَئِنْ مُنِيتَ بِنَـا عَنْ غِـبّ مَعرَكَـةٍ



لَمْ تُلْفِنَـا مِنْ دِمَـاءِ القَـوْمِ نَنْتَفِـلُ



نَحنُ الفَوَارِسُ يَـوْمَ الحِنـوِ ضَاحِيَـةً



جَنْبَيْ ( فُطَيمَةَ ) لاَ مِيـلٌ وَلاَ عُـزُلُ



قَالُوا الرُّكُوبَ ! فَقُلنَـا تِلْكَ عَادَتُنَـا



أَوْ تَنْزِلُـونَ ، فَإِنَّـا مَعْشَـرٌ نُـزُلُ



يتبع

على النيه 05-08-2010 11:37 PM

" عبيد بن الأبرص "


سيـــرتهـ الذآتيـــهـ :
عبيد بن الأبرص بن حنتم،وأيضاً عبيد بن عوف بن جشم له أم اسمها أُمامة الأسدي من المضر،زمن مولده غير معروف، شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات ويعد من شعراء الطبقة الاولى،قتله النعمان بن المنذر حينما وفد عليه في يوم بؤسه.

بيد هو أحد أشهر فرسان قومه وساداتها،قد عاش أيام حجر-والد أمرؤ القيس- وشهد موته ،وكان قبل ذلك أحد منادميه فعندما بلغ حجر شيئاً عن عبيد توعده فقال يخاطبه:
أبلغْ بني كرِبٍ عني وإخوتَهُ قولاً سيذهبُ غوراً بعد أنجادٍ

وسمي أيضاً بعبيد العصا عندما قتل جنود حجر بعصاه،وكان ذلك عندما أبوا دفع الجباية. وحبس منهم في ذلك اليوم عبيد وعمرو بن مسعود فاباح أموالهم وصيّرهم إلى تهامة وأبى أن يساكنهم في بلدٍ. فسارت بنو أسدٍ ثلاثاُ، ثم إن عبيداً قام فقال: أيّها الملك اسمع مقالتي:
يا عين فابكي ما بني أسد، فهم أهل الندامة

فرق قلب حجر بعد أن نفاهم فبعث في أثرهم فاقبلوا ثم غدروا،فهدّدهم ابنه امرؤ القيس بفرسان قحطان، وبأنّه سيحكِّم فيه ظُبى السيوف وشَبَا الأسنّة شفاء لقلبه وثأراً بأبيه. فخاطبه عبيد بقصيدة يفتخر فيها بمآتي قومه ويتحدّاه، قال:
يا ذا المخوّفُنا بقتل أبيه إذلالاً وحينا

[عدل] موته

هي روايتان ألاولى: مسندةٌ على الشرقيّ بن القطامي، قال: كان المنذر بن ماء السماء قد نادمه رجلان من بني أسد، أحدهما خالد بن المضلِّل والآخر عمرو بن مسعود بن كَلَدة، فأغضباه في بعض المنطق، فأمر بأن يحفر لكلّ منها حفيرة بظهر الحيرة ثمّ يجعلا في تابوتين ويدفنا في الحفرتين، ففُعل بهما ذلك، حتى إذا أصبح سأل عنهما فأُخبر بهلاكهما، فندم على ذلك وغمّه، ثم ركب حتى نظر إليهما فأمر ببناء الغَرِيّين فبنيا عليهما، وجعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيهما عند الغريّين أحدهما يوم نعيم والآخر يوم بؤس، فأوّل من يطلع عليه في يوم نعيمه يعطيه مائة من الإبل شؤماً، أي سوداً، وأول من يطلع عليه يوم بؤسه يعطيه رأس ظَرِبان أسود، ثم يأمر به فيذبح ويغرّى بدمه الغريّان. فلبث بذلك برهة من دهره. ثم إن عبيد بن الأبرص كان أوّل من أشرف عليه يوم بؤسه فقال: هلاّ كان الذّبحُ لغيرك، يا عبيد فقال: أتتك بحائن رجلاه، فأرسلها مثلاً. فقال المنذر: أو أجلٌ بلغ أناه. ثم قال له: أنشدني فقد كان شعرك يعجبني. فقال حال الجريض دون القريض، وبلغ الحِزام الطِّبيين، فأرسلها مثلاً. فقال له آخر: ما أشدّ جزعك من الموت! فقال: لا يرحلُ رحلك من ليس معك، فأرسلها مثلاً. فقال له المنذر: قد أمللتني فأرحني قبل أن آمر بك! فقال عبيد: من عزّ بزّ، فأرسلها مثلاً. فقال المنذر: أنشدني قولك: "أقفر من أهله ملحوب" فقال:
أقفر من أهله عبيدُ فليس يُبدي ولا يُعيدُ
عنّت عنّةٌ نَكودُ وحان منه لها وُرودُ

فقال له المنذر: يا عبيد! ويحك أنشدني قبل أن أذبحك. فقال عبيد:
واللهِ إن متُّ لما ضرّني وإن أعِش ما عشتُ في واحدة

فقال المنذر: إنّه لا بدّ من الموت، ولو أن النعمان، أي ابنه، عرض لي في يوم بؤس لذبحته، فاختر إن شئت الأكحل، وإن شئت الأبجل، وإن شئت الوريد. فقال عبيد: ثلاث خصال كسحابات عاد واردها شرّ وُرّاد، وحاديها شرّ حاد، ومعادها شرّ معاد، ولا خير فيها لمرتاد، وإن كنتَ لا محالة قاتلي، فاسقني الخمر حتى إذا ماتت مفاصلي وذَهِلت ذواهلي فشأنك وما تريد. فأمر المنذر بحاجته من الخمر، حتى إذا أخذت منه وطابت نفسه دعا به المنذر ليقتله، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:
وخيّرني ذو البؤس في يوم بؤسه خَصالاً أرى في كلّها الموتَ قد برَق
كما خُيّرتْ عادٌ من الدّهر مرّةً سحائبَ ما فيها لذي خِيرةٍ أنَقْ
سحائب ريحٍ لم تُوكَّل ببلدةٍ فتتركها إلاّ كما ليلةِ الطّلَقْ

فأمر به المنذر ففصد، فلما مات غذي بدمه الغريّان. وقد يضرب المثل بيوم عبيد، عند العرب، لليوم المشؤوم الطالع. أما رواية مقتله في الديوان، فقد رويت في الأغاني أيضاً عن هشام بن الكلبي، على شيء من الاختلاف، كما أشرنا إليه سابقاً، قال: وكان من حديث عبيد وقتله أن المنذر بن ماء السماء بنى الغريّين، فقيل له: ماذا تريد بهما وكان بناهما على قبري رجلين من بني أسد كانا نديميه: أحدهما خالد بن نضلة الفقعسيّ، وكان أُسر يوم جبَلة، والآخر عمرو بن مسعود. فقال: ما أنا بملك إن خالف الناس أمري؛ لا يمرّ أحد من وفود العرب إلا بينهما. وكان له في السنة يومان معروفان بيوم بؤس ويوم نعمة، فكان إذا خرج في يوم بؤسه يذبح فيه أوّل من يلقاه كائناً من كان؛ وإذا خرج في يوم نعمته يصِل أوّل من يلقاه ويحبوه ويُحسن إليه. فبينما هو يسير في يوم بؤسه إذ أشرف له عبيد، فقال لرجل ممّن كان معه: من هذا الشقيّ فقال له: هذا عبيد بن البرص. فأُتي به فقال له الرجل: أبيت اللعن اتركه، فإن عنده من حسن القريض أفضل ممّا تدرك في قتله، مع أنّه من رؤساء قومه وأهل النجدة والشأن فيهم، فاسمع منه وادعه إلى مدحك، فإن سمعت ما يعجبك كنت قد عفت له المنّة فإن مِدْحَته الصنيعة. فإن لم يعجبك قوله كان هنيئاً عليك قتله، فإذا نزلنا فادع به! قال: فنزل المنذر، فطعِم وشرب، وبينه وبين الناس حجاب يراهم منه ولا يرونه، فدعا بعبيد من وراء الستر فقال له رديفة: ما ترى يا أخا أسد. قال: أرى الحوايا عليها المنايا. قال: فعليك بالخروج له ليقرّبك ذاك من الخلاص. قال: ثكلتك الثّواكل، إنّي لا أعطي باليد، ولا أُحضر البعيد، والموت أحبّ إليّ. قال له الملك: أفقلت شيئاً. قال: حال الجريض دون القريض. قال المنذر: أنشدني من قولك "أقفر من أهله ملحوب". قال عبيد:
أقفر من أهله عبيدُ فليس يُبدي ولا يُعيد

قال: أنشدنا أيضاً! فقال:
هي الخمر تكنى بأمّ الطّلاء كما الذّئبُ يدعى أبا جعدةِِ

فقال: قل فيّ مديحاً يسير في العرب! قال: أمّا والصَّبّار فيما عجل فلا! قال: نطلقك ونحسن إليك. قال: أمّا وأنا أسير في يديك فلا. قال: نردّك إلى أهلك ونلتزم رفدك. قال: أمّا على شرط المديح فلا! قال عبيد:
أوَصيِّ بَنِيّ وأعمامهم بأنّ المنايا لهُم راصده
لها مدّةٌ، فنفوسُ العِباد إليها، وإن جهَدوا، قاصِده
فوالله إنْ عشتُ ما سرّني وإن متُّ ما كانت العائده

فقال بعض القوم: أنشِد الملك! قال: لا يرجى لك من ليس معك. قال بعضهم من القوم: أنشد الملك! قال: وأُمِرَّ دون عبيده الوَذَمُ. قال له المنذر: يا عبيد أي قتلة أحبّ إليك أن أقتلك. قال: أيّها الملك روّني من الخمر وافصدني، وشأنك وشأني. فسقاه الخمر ثم أقْطَعَ له الأكحل فلم يزل الدم يسيل حتى نفد الدم وسالت الخمر، فمات.



أَقـفَـرَ مِـن أَهلِـهِ مَلحـوبُ


فَالقُـطَـبِـيّـاتُ فَالـذُّنـوبُ


وبُـدِّلَـت أَهلُهـا وُحـوشـاً


وَغَيَّـرَت حالَهـا الخُـطـوبُ


أَرضٌ تَـوارَثَـهـا الـجُـدودُ


فَكُـلُّ مَـن حَلَّهـا مَحـروبُ


إِمّـا قَـتـيـلاً وَإِمّـا هُلكـاً


وَالشَّيـبُ شَيـنٌ لِمَـن يَشِيـبُ


عَيـنـاكَ دَمعُهُـمـا سَـروبُ


كَـأَنَّ شَـأنَيهِمـا شَـعـيـبُ


واهِـيَـةٌ أَو مَعـيـنٌ مَـعـنٌ


مِن عَضَّــةٍ دُونَهـا لُـهـوبُ


تَصبـو وَأَنَّـى لَـكَ التَّصابِـي


أَنّـى وَقَـد راعَـكَ الـمَشيبُ


فَكُـلُّ ذي نِعمَـةٍ مَخـلـوسٌ


وَكُـلُّ ذي أَمَـلٍ مَـكـذوبُ


وَكُـلُّ ذي إِبِــلٍ مَــوروثٌ


وَكُـلُّ ذي سَلَـبٍ مَسـلـوبُ


وَكُـلُّ ذي غَـيـبَـةٍ يَـؤوبُ


وَغـائِـبُ الـمَوتِ لا يَـؤوبُ


أَعـاقِـرٌ مِـثـلُ ذاتِ رِحــمٍ


أَم غَانِـمٌ مِثـلُ مَـن يَخـيـبُ


مَن يَسـألِ النَّـاسَ يَحـرِمـوهُ


وَسـائِـلُ اللهِ لا يَـخـيـبُ


بـالله يُـدركُ كُـلُّ خَـيـرٍ


والقَـولُ فِـي بَعضِـهِ تَلغِيـبُ


وَاللهُ لَـيـسَ لَـهُ شَـرِيـكٌ


عَـلاَّمُ مَـا أَخفَـتِ القُلُـوبُ


أَفلِـحْ بِمَا شِئـتَ قَـد يُبلَـغُ


بالضَّعـفِ وَقَد يُخدَعُ الأَرِيـبُ


لاَ يَعِـظُ النَّـاسُ مَـن لاَ يَعِـظِ


الـدَّهـرُ وَلا يَنـفَـعُ التَلبيـبُ


سَاعِـد بِـأَرضٍ تَكُـونُ فِيـهَا


وَلا تَـقُـل إِنَّـنِـي غَـريـبُ


وَالمَـرءُ مَا عَـاشَ فِي تَكذِيـبٍ


طـولُ الحَيـاةِ لَـهُ تَعـذيـبُ





يتبع

على النيه 05-08-2010 11:38 PM

" النابغة الذبياني "



سيرتــهـ الذاتيـــهـ :
هو زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن مرّة بن عوف بن سعد، الذبياني، الغطفاني، المضري. شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، من أهل الحجاز، ينتهي نسبه كما قال التبريزي إلى قيس بن عيلان، ويكنى بأبي أمامة، وقيل بأبي ثمامة، كما هو وارد في "الشعر والشعراء"، وبأبي عقرب على ما يذهب إليه البغدادي في خزانة الأدب.

لقبه

والنابغة لقب غلب على الشاعر، اختلف النقاد في تعليله وتفسيره، أما ابن قتيبة فيذكر أنه لقب بالنّابغة لقوله:

وحلّت في بني القين بن جسر- فقد نبغت لهم منا شؤون

وردّ ابن قتيبة هذا اللقب إلى قولهم: "ونبغ- بالشعر- قاله بعد ما احتنك وهلك قبل أن يهتر". وفي رأي البغدادي، أن هذا اللقب لحقه لأنه لم ينظم الشعر حتى أصبح رجلاً. وربّما كان اللقب مجازاً، على حدّ قول العرب: نبغت الحمامة، إذا أرسلت صوتها في الغناء، ونبغ الماء إذا غزر. فقيل: نبغ الشاعر، والشاعر نابغة، إذا غزرت مادة شعره وكثرت.

نشأة الشاعر

ولا يعرف شيئاً يذكر عن نشأة الشاعر قبل اتصاله بالبلاط، فيما خلا ما نقله صاحب الروائع عن المستشرق دي برسفال، من مزاحمة النّابغة لحاتم الطائيّ على ماوية، وإخفاقه في ذلك.

ويذكر ابن قتيبة أن النّابغة كان شريفاً فغضّ الشعر منه، ويرى صاحب أدباء العرب أن النّابغة من سادات قومه، ويخالف هذا الاتجاه حين يقول: نشأ النّابغة في الوسط من قومه، لا في الذروة من الشرف. ويقول آخرون: ولا معنى لقول الرواة: أنه أحد الأشراف الذين غضّ الشعر منهم.

والنابغة من سادات قومه، لما كان للشعراء من منزلة في الجاهلية وللدور الذي لعبه في توسطه لقومه عند الغساسنة ومنعهم من حربهم، في مواقف عديدة. أما لماذا "غضّ الشعر منه" فزعم لا يقبله النقد الحديث، فقد كان النّابغة معزّزاً عند الملوك، ومكرماً في قومه، وإنما هو حسد الحاسدين الذين لم يقووا على الارتفاع إلى منزلة الشاعر، فراحوا يعيّرونه لتكسبه بالشعر، وربّما قصد بتلك الغضاضة هروبه من بلاط النعمان إثر حادثة "المتجردة".



يَـا دَارَ مَيَّـةَ بالعَليْـاءِ ، فالسَّنَـدِ

أَقْوَتْ ، وطَالَ عَلَيهَا سَالِـفُ الأَبَـدِ

وقَفـتُ فِيـهَا أُصَيلانـاً أُسائِلُهـا

عَيَّتْ جَوَاباً ، ومَا بالرَّبـعِ مِنْ أَحَـدِ

إلاَّ الأَوَارِيَّ لأْيـاً مَـا أُبَـيِّـنُـهَا

والنُّؤي كَالحَوْضِ بالمَظلومـةِ الجَلَـدِ

رَدَّتْ عَليَـهِ أقَـاصِيـهِ ، ولـبّـدَهُ

ضَرْبُ الوَلِيدَةِ بالمِسحَـاةِ فِي الثَّـأَدِ

خَلَّتْ سَبِيـلَ أَتِـيٍّ كَـانَ يَحْبِسُـهُ

ورفَّعَتْهُ إلـى السَّجْفَيـنِ ، فالنَّضَـدِ

أمْسَتْ خَلاءً ، وأَمسَى أَهلُهَا احْتَمَلُوا

أَخْنَى عَليهَا الَّذِي أَخْنَـى عَلَى لُبَـدِ

فَعَدِّ عَمَّا تَرَى ، إِذْ لاَ ارتِجَـاعَ لَـهُ

وانْـمِ القُتُـودَ عَلَى عَيْرانَـةٍ أُجُـدِ

مَقذوفَةٍ بِدَخِيسِ النَّحـضِ ، بَازِلُهَـا

لَهُ صَريفٌ ، صَريفُ القَعْـوِ بالمَسَـدِ

كَأَنَّ رَحْلِي ، وَقَدْ زَالَ النَّـهَارُ بِنَـا

يَومَ الجليلِ ، عَلَى مُستأنِـسٍ وحِـدِ

مِنْ وَحشِ وَجْرَةَ ، مَوْشِيٍّ أَكَارِعُـهُ

طَاوي المَصِيرِ ، كَسَيفِ الصَّيقل الفَرَدِ

سَرتْ عَلَيهِ ، مِنَ الجَـوزَاءِ ، سَارِيَـةٌ

تُزجِي الشَّمَالُ عَلَيـهِ جَامِـدَ البَـرَدِ

فَارتَاعَ مِنْ صَوتِ كَلاَّبٍ ، فَبَاتَ لَـهُ

طَوعَ الشَّوَامتِ مِنْ خَوفٍ ومِنْ صَرَدِ

فبَـثّـهُـنَّ عَلَيـهِ ، واستَمَـرَّ بِـهِ

صُمْعُ الكُعُوبِ بَرِيئَـاتٌ مِنَ الحَـرَدِ

وكَانَ ضُمْرانُ مِنـهُ حَيـثُ يُوزِعُـهُ

طَعْنَ المُعارِكِ عِندَ المُحْجَـرِ النَّجُـدِ

شَكَّ الفَريصةَ بالمِـدْرَى ، فَأنفَذَهَـا

طَعْنَ المُبَيطِرِ ، إِذْ يَشفِي مِنَ العَضَـدِ

كَأَنَّه ، خَارجَا مِنْ جَنـبِ صَفْحَتِـهِ

سَفّودُ شَرْبٍ نَسُـوهُ عِنـدَ مُفْتَـأَدِ

فَظَلّ يَعْجُمُ أَعلَى الـرَّوْقِ ، مُنقبضـاً

فِي حالِكِ اللّونِ صَدْقٍ ، غَيرِ ذِي أَوَدِ

لَمَّا رَأَى واشِـقٌ إِقعَـاصَ صَاحِبِـهِ

وَلاَ سَبِيلَ إلـى عَقْـلٍ ، وَلاَ قَـوَدِ

قَالَتْ لَهُ النَّفسُ : إنِّي لاَ أَرَى طَمَـعاً

وإنَّ مَولاكَ لَمْ يَسلَـمْ ، ولَمْ يَصِـدِ

فَتِلكَ تُبْلِغُنِي النُّعمَانَ ، إنَّ لهُ فَضـلاً

عَلَى النَّاس فِي الأَدنَى ، وفِي البَعَـدِ

وَلاَ أَرَى فَاعِلاً ، فِي النَّاسِ ، يُشبِهُـهُ

وَلاَ أُحَاشِي ، مِنَ الأَقوَامِ ، مِنْ أحَـدِ

إلاَّ سُليـمَانَ ، إِذْ قَـالَ الإلـهُ لَـهُ

قُمْ فِي البَرِيَّة ، فَاحْدُدْهَـا عَنِ الفَنَـدِ

وخيّسِ الجِنّ ! إنِّي قَدْ أَذِنْـتُ لَهـمْ

يَبْنُـونَ تَدْمُـرَ بالصُّفّـاحِ والعَمَـدِ

فَمَـن أَطَاعَـكَ ، فانْفَعْـهُ بِطَاعَتِـهِ

كَمَا أَطَاعَكَ ، وادلُلْـهُ عَلَى الرَّشَـدِ

وَمَـنْ عَصَـاكَ ، فَعَاقِبْـهُ مُعَاقَبَـةً

تَنهَى الظَّلومَ ، وَلاَ تَقعُدْ عَلَى ضَمَـدِ

إلاَّ لِمثْـلكَ ، أَوْ مَنْ أَنـتَ سَابِقُـهُ

سَبْقَ الجَوَادِ ، إِذَا استَولَى عَلَى الأَمَـدِ

أَعطَـى لِفَارِهَـةٍ ، حُلـوٍ تَوابِعُـهَا

مِنَ المَواهِـبِ لاَ تُعْطَـى عَلَى نَكَـدِ

الوَاهِـبُ المَائَـةِ المَعْكَـاءِ ، زَيَّنَـهَا

سَعدَانُ تُوضِـحَ فِي أَوبَارِهَـا اللِّبَـدِ

والأُدمَ قَدْ خُيِّسَـتْ فُتـلاً مَرافِقُـهَا

مَشْـدُودَةً بِرِحَـالِ الحِيـرةِ الجُـدُدِ

والرَّاكِضاتِ ذُيـولَ الرّيْطِ ، فانَقَـهَا

بَرْدُ الهَوَاجـرِ ، كالغِـزْلاَنِ بالجَـرَدِ

والخَيلَ تَمزَعُ غَرباً فِي أعِنَّتهَا كالطَّيـرِ

تَنجـو مِـنْ الشّؤبـوبِ ذِي البَـرَدِ

احكُمْ كَحُكمِ فَتاةِ الحَيِّ ، إِذْ نظـرَتْ

إلـى حَمَامِ شِـرَاعٍ ، وَارِدِ الثَّمَـدِ

يَحُفّـهُ جَـانِبـا نِيـقٍ ، وتُتْبِعُـهُ

مِثلَ الزُّجَاجَةِ ، لَمْ تُكحَلْ مِنَ الرَّمَـدِ

قَالَتْ : أَلاَ لَيْتَمَا هَـذا الحَمَـامُ لَنَـا

إلـى حَمَـامَتِنَـا ونِصفُـهُ ، فَقَـدِ

فَحَسَّبوهُ ، فألفُـوهُ ، كَمَا حَسَبَـتْ

تِسعاً وتِسعِينَ لَمْ تَنقُـصْ ولَمْ تَـزِدِ

فَكَمَّلَـتْ مَائَـةً فِيـهَا حَمَامَتُـهَا

وأَسْرَعَتْ حِسْبَةً فِـي ذَلكَ العَـدَدِ

فَلا لَعمرُ الَّذِي مَسَّحتُ كَعْبَتَهُ وَمَـا

هُرِيقَ ، عَلَى الأَنصَابِ ، مِنْ جَسَـدِ

والمؤمنِ العَائِذَاتِ الطَّيرَ ، تَمسَحُـهَا

رُكبَانُ مَكَّةَ بَيـنَ الغَيْـلِ والسَّعَـدِ

مَا قُلتُ مِنْ سيّءٍ مِمّـا أُتيـتَ بِـهِ

إِذاً فَلاَ رفَعَتْ سَوطِـي إلَـيَّ يَـدِي

إلاَّ مَقَـالَـةَ أَقـوَامٍ شَقِيـتُ بِهَـا

كَانَتْ مقَالَتُهُـمْ قَرْعـاً عَلَى الكَبِـدِ

إِذاً فعَـاقَبَنِـي رَبِّـي مُعَـاقَـبَـةً

قَرَّتْ بِهَا عَيـنُ مَنْ يَأتِيـكَ بالفَنَـدِ

أُنْبِئْـتُ أنَّ أبَـا قَابُـوسَ أوْعَدَنِـي

وَلاَ قَـرَارَ عَلَـى زَأرٍ مِـنَ الأسَـدِ

مَهْلاً ، فِـدَاءٌ لَك الأَقـوَامُ كُلّهُـمُ

وَمَا أُثَمّـرُ مِنْ مَـالٍ ومِـنْ وَلَـدِ

لاَ تَقْذِفَنّـي بُركْـنٍ لاَ كِفَـاءَ لَـهُ

وإنْ تأثّـفَـكَ الأَعـدَاءُ بالـرِّفَـدِ

فَمَا الفُراتُ إِذَا هَـبَّ الرِّيَـاحُ لَـهُ

تَرمِـي أواذيُّـهُ العِبْرَيـنِ بالـزَّبَـدِ

يَمُـدّهُ كُـلُّ وَادٍ مُتْـرَعٍ ، لجِـبٍ

فِيهِ رِكَـامٌ مِنَ اليِنبـوتِ والخَضَـدِ

يَظَلُّ مِنْ خَوفِـهِ ، المَلاَّحُ مُعتَصِـماً

بالخَيزُرانَة ، بَعْـدَ الأيـنِ والنَّجَـدِ

يَوماً ، بأجـوَدَ مِنـهُ سَيْـبَ نافِلَـةٍ

وَلاَ يَحُولُ عَطـاءُ اليَـومِ دُونَ غَـدِ

هَذَا الثَّنَـاءُ ، فَإِنْ تَسمَعْ بِـهِ حَسَنـاً

فَلَمْ أُعرِّضْ ، أَبَيتَ اللَّعنَ ، بالصَّفَـدِ

هَا إنَّ ذِي عِذرَةٌ إلاَّ تَكُـنْ نَفَعَـتْ

فَـإِنَّ صَاحِبَـها مُشَـارِكُ النَّكَـدِ



يتبع

على النيه 05-08-2010 11:40 PM

" زهيـر بن ابي سلمى "


سيرتهـ الذآتيهـ :

هو زهير بن أبي سُلمى ربيعة بن رياح بن قرّة بن الحارث بن إلياس بن نصر بن نزار، المزني، من مضر. حكيم الشعراء في الجاهلية، وفي أئمة الأدب من يفضله على شعراء العرب كافة. كان له من الشعر ما لم يكن لغيره، ولد في بلاد مزينة بنواحي المدينة، وكان يقيم في الحاجر من ديار نجد، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام. قيل كان ينظم القصيدة في شهر ويهذبها في سنة، فكانت قصائده تسمى الحوليات. إنه، كما قال التبريزي، أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء، وإنما اختلف في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه، والآخران هما امرؤ القيس والنّابغة الذبياني. وقال الذين فضّلوا زهيراً: زهير أشعر أهل الجاهلية، روى هذا الحديث عكرمة عن أبيه جرير. وإلى مثل هذا الرأي ذهب العبّاس بن الأحنف حين قال، وقد سئل عن أشعر الشعراء. وقد علّل العبّاس ما عناه بقوله: ألقى زهير عن المادحين فضول الكلام كمثل قوله:
فما يَكُ من خيرٍ أتوه فإنّما- توارثه آباء آبائهم قبْل
وكان عمرو بن الخطاب شديد الإعجاب بزهير، أكد هذا ابن عبّاس إذ قال: خرجت مع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في أول غزاة غزاها فقال لي: أنشدني لشاعر الشعراء، قلت: "ومن هو يا أمير المؤمنين?" قال: ابن أبي سلمى، قلت: وبم صار كذلك? قال: لا يتبع حوشي الكلام ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف ولا يمتدح أحداً إلا بما فيه". وأيّد هذا الرأي كثرة بينهم عثمان بن عفان، وعبد الملك بن مروان، وآخرون واتفقوا على أنّ زهيراً صاحب "أمدح بيت... وأصدق بيت... وأبين بيت". فالأمدح قوله:
تراهُ إذا ما جئْتَه مُتَهَلِّلا- كأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائلُهْ
والأصدق قوله:
ومهما تكنْ عند امرئٍ من خليقةٍ- وإنْ تَخْفى على الناس تُعْلَمِ
وأما ما هو أبين فقوله يرسم حدود الحق:
فإنّ الحقّ مقطعُه ثلاثٌ- يمينٌ أو نفارُ أو جلاءُ
قال بعضهم معلّقاً: لو أن زهيراً نظر في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ما زاد على قوله المشار إليه، ولعلّ محمد بن سلاّم أحاط إحاطة حسنة بخصائص شاعرية زهير حين قال: "من قدّم زهيراً احتجّ بأنه كان أحسنهم شعراً وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليل من الألفاظ، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالاً في شعره". وسنورد لاحقاً جملة أخرى في مثل هذه الخصائص التي تطالعنا بها أشعاره والتي تكشف عن أهمية شعره وقيمته.
كانت ولادة زهير في بني غطفان. وبين هؤلاء القوم نشأ وترعرع. ومنهم تزوّج مرّتين. في الأولى تزوّج أم أوفى التي يذكرها في مطلع معلقته:
أمِن أمّ أَوفى دمنةٌ لمْ تكلّم- بحوْمانَةِ الدرّاج فالمتثلّم
وبعد طلاقه أم أوفى بسبب موت أولاده منها، اقترن زهير بكبشة بنت عمّار الغطفانية ورزق منها بولديه الشاعرين كعب وبجير.
لكن زهيراً- كما يفهم من حديثه وأهل بيته- كان من مزينة- وما غطفان إلا جيرانهم، وقِدْماً ولدتهم بنو مرّة وفي الأغاني حديث زهير في هذا الشأن رواه ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني، ولم نر ضرورة إثباته.
ولعلّ البارز في سيرة زهير وأخباره تأصّله في الشاعرية: فقد ورث الشعر عن أبيه وخاله وزوج أمه أوس بن حجر. ولزهير أختان هما الخنساء وسلمى وكانتا أيضاً شاعرتين. وأورث زهير شاعريته لابنيه كعب وبجير، والعديد من أحفاده وأبناء حفدته. فمن أحفاده عقبة المضرّب وسعيد الشاعران، ومن أبناء الحفدة الشعراء عمرو بن سعيد والعوّام ابنا عقبة المضرّب..
ويطول الكلام لو أردنا المضي في وراثة زهير الشعر وتوريثه إياه. يكفي في هذا المجال الحوار بينه وبين خال أبيه بشامة بن الغدير الذي قال حين سأله زهير قسمة من ماله: "يا ابن أختي، لقد قسمت لك أفضل ذلك وأجزله" قال: "ما هو?"، قال: شعري ورثتنيه". فقال له زهير: "الشعر شيء ما قلته فكيف تعتدّ به عليّ?"، فقال له بشامة: "ومن أين جئت بهذا الشعر? لعلك ترى أنّك جئت به من مزينة? وقد علمت العرب أن حصاتها وعين مائها في الشعر لهذا الحيّ من غطفان، ثم لي منهم وقد رويته عنّي".
فإذا تحوّلنا من شاعرية زهير إلى حياته وسيرته فأول ما يطالعنا من أخباره أنه كان من المعمّرين، بلغ في بعض الروايات نحوا من مئة عام. فقد استنتج المؤرخون من شعره الذي قاله في ظروف حرب داحس والغبراء أنه ولد في نحو السنة 530م. أما سنة وفاته فتراوحت بين سنة 611و 627م أي قبل بعثة النبيّ بقليل من الزمن، وذكرت الكتب أن زهيراً قصّ قبل موته على ذويه رؤيا كان رآها في منامه تنبأ بها بظهور الإسلام وأنه قال لولده: "إني لا اشكّ أنه كائن من خبر السماء بعدي شيء. فإن كان فتمسّكوا به، وسارعوا إليه".
ومن الأخبار المتّصلة بتعمير زهير أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إليه "وله مائة سنة" فقال: اللهم أعذني من شيطانه"، فما لاك بيتاً حتى مات. وأقلّ الدلالات على عمره المديد سأمه تكاليف الحياة، كما ورد في المعلّقة حين قال:
سئمتُ تكاليفَ الحياة، ومَنْ يعِش- ثمانينَ حولاً لا أبا لكَ، يسأَمِ
والمتعارف عليه من أمر سيرته صدق طويته، وحسن معشره، ودماثة خلقه، وترفعه عن الصغائر، وأنه كان عفيف النفس، مؤمناً بيوم الحساب، يخاف لذلك عواقب الشرّ. ولعلّ هذه الأخلاق السامية هي التي طبعت شعره بطابع الحكمة والرصانة، فهو أحد الشعراء الذين نتلمس سريرتهم في شعرهم، ونرى في شعرهم ما انطوت عليه ذواتهم وحناياهم من السجايا والطبائع. وأكثر الباحثين يستمدّ من خبر زهير في مدح هرم بن سنان البيّنة التي تبرز بجلاء هذه الشخصية التي شرفتها السماحة والأنفة وزيّنها حبّ الحق والسّداد: فقد درج زهير على مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف لمأثرتهما في السعي إلى إصلاح ذات البين بين عبس وذبيان بعد الحرب الضروس التي استمرّت طويلاً بينهما.
وكان هذا السيّدان من أشراف بني ذبيان قد أديا من مالهما الخاص ديّات القتلى من الفريقين، وقد بلغت بتقدير بعضهم ثلاثة آلاف بعير. قيل إن هرماً حلف بعد أن مدحه زهير أن لا يكف عن عطائه، فكان إذا سأله أعطاه، وإذا سلّم عليه أعطاه. وداخل زهير الاستحياء، وأبت نفسه أن يمعن في قبول هبات ممدوحه، فبات حين يراه في جمع من القوم يقول "عموا صباحاً غير هرم ... وخيركم استثنيت".
ذكر أن ابن الخطاب قال لواحد من أولاد هرم: أنشدني بعض مدح زهير أباك، فأنشده، فقال الخليفة: إنه كان ليحسن فيكم القول"، فقال: "ونحن والله كنّا نحسن له العطاء"، فقال عمر بن الخطاب: "قد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم". نعم لقد خلد هرم بفضل مديح زهير الصادق ومنه قوله:
منْ يلقَ يوماً على عِلاّته هرماً- يلقَ السماحةَ منه والنّدى خلقَا
ولزهير ديوان شعر عني الأقدمون والمحدثون بشرحه. وأبرز الشّراح الأقدمين الأعلم الشنتمري. وفي طليعة من حقّق ديوان زهير حديثاً المستشرق لندبرغ في ليدن سنة 1881م. ويدور شعر الديوان في مجمله حول المدح والفخر ودور زهير في ظروف حرب السباق، وتتوّج الحكمة هذا الشعر بهالة من الوقار تعكس شخصية الشاعر الحكيم.
وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن زهير بن أبي سلمى في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: شخصية زهير نقيض لإمرئ القيس وطرفة. كان امرؤ القيس وطرفة رجلين طائشين وحياتهما غير منضبطة، وماتا ميتة عنيفة في عز شبابهما. بينما عاش زهير حياة طويلة ونال احترام الجميع لحكمته وأخلاقه العالية ولم يكن بحاجة للآخرين. عاصر الشاعرين المذكورين في مولده، لكنه قارب أيام ظهور الإسلام. يقال إنه في سن التسعين جاء إلى النبي فاستعاذ منه وقال: "اللهم أعذني من شيطانه" قول قامت عليه تعاليم بعض علماء المسلمين الذين قالوا بفكرة إن الوحي نزل على الرسول بالقرآن، وكذلك كان لكل شعراء الجاهلية شيطاناً يوحي لهم بما يقولون. لا يختلف هذا عن إيمان المسيحيين الأوائل الذين أكدوا على أن أصوات الشياطين كانت تخرج من أفواه كهنة الوثنيين. يضاف أنه بعد نصيحة الرسول لزهير لم ينظم الشعر. ويقال إن الخليفة عمر بن الخطاب قال إن زهير كان شاعر الشعراء. كان سيداً اتسعت ثروته، حكيم، وكان ورعاً حتى في أيام الجاهلية.
كان زهير بن أبي سلمى من قبيلة "مزينة" ويعود من ناحية أم والده إلى قبيلة "مرة" في الحجاز. يروى إن والد زهير ذهب مع أقربائه من بني "مرة" - أسد وكعب - في غزوة ضد طيْ، وإنهم غنموا إبلاً عديدة. قال افردا لي سهماً، فأبيا عليه ومنعاه حقه، فكف عنهما، حتى إذا الليل أتى أمه فقال : والذي أحلف به لتقومن إلى بعير من هذه الإبل فلتقعدن عليه أو لأضربن بسيفي تحت قرطيك. فقامت أمه إلى بعير منها فاعتنقت سنامه وساق لها أبو سلمى وهو يرتجز ويقول: قادهم أبو سلمى من مضارب "مرة" حتى وصل قومه. لم يمض وقت طويل قبل التحاقه "بمزينة" في غزوة على بني ذبيان، فخذ من "مرة". عندما بلغوا غطفان، جيران مرة، عاد غزاة مرة خائفين إلى خيام غطفان ومكثوا معهم. وهكذا قضى زهير طفولته معهم وليس مع قبيلته. يلمح إلى العيش بين الغرباء بقوله : يعرف أن زهير تزوج مرتين، الأولى إلى أم أوفى، حبيبة شبابه التي يتغنى بها في المعلقة، والثانية إلى أم ولديه، كعب وبوجير. توفي أبناء أم أوفى، لذا تزوج ثانية. لم تغفر له أم أوفى زواجه عليها، فهجرها لزلة اقترفتها وإن ندم لاحقاً. وهذا سبب ندبه.
ذكر ابن العربي إن زهير كان له ابن يدعى سالم، كان في غاية الوسامة حتى إن امرأة عربية قالت عندما رأته قرب نبع ماء على صهوة جواده مرتدياً عباءة مخططة بخطين "لم أر حتى يومنا مثيلاً لهذا الرجل ولا هذه العباءة ولا هذا الجواد". فجأة تعثر الجواد وسقط، فدقت عنقه وعنق راكبه. ذكر ابن العربي أيضاً إن والد زهير كان شاعراً، وكذلك أخ أمه وأخته سلمى وأخته الخنساء وابناه وحفيده المضرب بن كعب.
قسم عمه باشاما عند موته ثروته بين أقربائه، لكنه لم يعط زهير شيئاً بالرغم من حبه له. قال زهير: "وماذا أيضاً، ألم تترك قسطاً لي". أجاب العجوز: " كلا، تركت لك أفضل ما عندي موهبتي في نظم الشعر". قال زهير: "هذه خاصتي منذ البداية". لكن العجوز رد: "ليس صحيح، يعلم العرب جيداً أنها جاءتك مني".
وقال عنه دبليو إى كلوستون في كتاب من تحريره عن الشعر العربي: تميز زهير بن أبي سلمى منذ نعومة أظفاره بنبوغه الشعري. كان المفضل عند عمه باشاما، الذي كان بنفسه شاعراً مشهوراً، لكن عندما أحس العجوز بدنو أجله قسم أملاكه بين أقاربه ولم يترك لزهير شيئاً. قال زهير: "وماذا أيضاً، ألم تترك قسطاً لي?" أجاب العجوز: "كلا، تركت لك أفضل ما عندي، موهبتي في نظم الشعر". قال زهير: "هذه خاصتي منذ البداية". لكن العجوز رد: "ليس صحيح, يعلم العرب جيداً أنها جاءتك مني".
نظمت معلقته لما آلت إليه حرب داحس والغبراء، وفي مديح الحارث بن عوف والحارم بن سنان، صانعي السلام. كما نظم زهير عديداً من القصائد في مدح حارم بن سنان، الذي لم يقم على تلبية كل طلبات الشاعر فقط، بل كان يمنحه لقاء قصيدة مديح إما جارية أو حصان. شعر زهير بالخجل لهذه المكرمة حتى أنه كان يقول عندما يدخل على قوم فيهم حارم " السلام عليكم جميعاً باستثناء حارم، رغم أنه أفضلكم".
قرأ أحد أبناء حارم قصيدة مديح في عائلته للخليفة عمر الذي قال إن زهير مدحكم مدحاً جميلاً. فرد الابن موافقاً وقال لكننا أجزلنا له العطاء. قال عمر "ما منح يفنى مع الزمن، لكن مديحه خالد". لم يكن عمر من المعجبين بالشعر، لكنه مدح زهير لأنه مدح في شعره من يستحق المديح مثل حارم بن سلمى.
كانت أم أوفى التي ذكرها في مطلع المعلقة زوجة زهير الأولى التي طلقها بسبب غيرتها وندم لاحقاً على فعلته. مات كل الأبناء التي أنجبتهم صغار السن. أنجبت زوجته الثانية ولدين: كعب من نظم قصيدة البردة الشهيرة والمعروفة في الشرق بمطلع " بانت سعاد ?" وألقاها في حضرة الرسول (630 ميلادية ) عندما عقد صلحاً معه ودخل الإسلام، والابن الثاني بوجير وكان من أوائل من دخل الإسلام. ورد في كتاب الأغاني أن الرسول قابل زهير وهو في سن المئة وقال: " اللهم أعذني من شيطانه ". ويقال إنه توفي قبل أن يغادر الرسول البيت. في رواية أخرى أن زهير تنبأ بقدوم الرسول وذكر ذلك لابنيه كعب وبوجير، ونصحهم بالاستماع إلى كلام الرسول عند قدومه، وهذا يعني أنه توفي قبل ظهور الرسالة.

تعريف / بمعلقة زهير:

نظمت معلقة زهير، كما ذكر التبريزي، في ظروف حرب البسوس التي احتدم أوراها بين عبس وذبيان، استهلها زهير بالغزل ووصف الديار والأطلال الدارسة، ثم تحوّل إلى مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف، وحمدهما على فضلهما في حقن الدماء وتحمل تبعات الصلح بين الفريقين المتنازعين. وأردف زهير هذا المديح بحكمه التي محض بها المتحاربين النصح ودعاهم إلى السلم وحملهم على أن يرهبوا عواقب الحرب ممثلاً لهم أهوالها التي عاشوا في أتونها: وما الحرب إلا ما علمتُم وذقتُم- وما هو عنها بالحديثِ المرجّمِ. واستتبع زهير وصف ويلات الحرب بالكلام على حصين بن ضمضم، الذي لم يلتزم بعهد الصلح بل خانه وغدر برجل من بني عبس إمعاناً في الثأر والانتقام.
وأفضل ما نذيل به الكلام على شعر زهير التنويه بحولياته، وهي قصائده التي دأب فيها مهذّباً جاهداً في التشذيب والإحكام، فقد كان ينظم الواحدة من هذه القصائد في أربعة أشهر، ثم يعمد إليها مصوّباً ومنقحاً في أربعة ثانية، وفي الأربعة الثالثة يعرضها على أخصّائه، ليعلنها على النّاس خلال الربع الأخير من السنة أو الحول. هكذا تأتّى لزهير أن يكون من شعراء المدرسة الأوسية التي تزعّمها أوس بن حجر، فجاء شعره مضرب المثل في الجودة والإتقان.
وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات محاولين التعرف على الظروف الاجتماعية المحيطة بهم، والأسباب التي دفعتهم لنظمهم هذه المعلقات وعن أي موضوع تتحدث، فقد قال دبليو إى كلوستون عن معلقة زهير، في كتاب من تحريره وتقديمه عن الشعر العربي: نظمت معلقته لما آلت إليه حرب داحس والغبراء، وفي مديح الحارث بن عوف والحارم بن سنان، صانعي السلام. وقالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن معلقة زهير في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: ورد سبب نظم القصيدة في كتاب الأغاني على النحو التالي: قال الحار أوس بن حارثة بن لأم الطائي. فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، ففعل. فركبا حتى أتيا أوس بن حارثة في بلاده فوجداه في منزله. فلما رأى الحارث بن عوفٍ قال: مرحباً بك يا حار. قال: وبك. قال: ما جاء بك يا حار? قال: جئتك خاطباً. قال: لست هناك. فانصرف ولم يكلمه. ودخل أوسٌ على امرأته مغضباً وكانث بن عوف بن أبي حارثة: أتراني أخطب إلى أحد فيردني? قال نعم. قال: ومن ذاك. قال: ت من عبس فقالت: من رجلٌ وقف عليك فلم يطل ولم تكلمه? قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري. قالت: فما لك لم تستنزله? قال: إنه استحمق. قالت: وكيف? قال: جاءني خاطباً. قالت: أفتريد أن تزوجك بناتك? قال: نعم. قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن? قال: قد كان ذلك. قالت: فتدارك ما كان منك. قال: بماذا? قالت: تلحقه فترده. قال: وكيف وقد فرط مني ما فرط إليه? قالت: تقول له: إنك لقيتني مغضباً بأمرٍ لم تقدم فيه قولاً، فلم يكن عندي فيه من الجواب إلا ما سمعت، فانصرف ولك عندي كل ما أحببت فإنه سيفعل. فركب في أثرهما. قال خارجة بن سنان: فو الله إني لأسير إذ حانت مني التفاتةٌ فرأيته، فأقبلت على الحارث وما يكلمني غماً فقلت له: هذا أوس بن حارثة في أثرنا. قال: وما نصنع به ! امض !. فلما رآنا لا نقف عليه صاح: يا حار اربع علي ساعةً. فوقفنا له فكلمه بذلك الكلام فرجع مسروراً. فبلغني أن أوساً لما دخل منزله قال لزوجته أدعي لي فلانة " لأكبر بناته " فأتته، فقال: يا بنية، هذا الحارث بن عوف سيدٌ من سادات العرب، قد جاءني طالباً خاطباً، وقد أردت أن أزوجك منه فما تقولين? قالت: لا تفعل. قال: ولم? قالت: لأني امرأة في وجهي ردة ، وفي خلقي بعض العهدة ، ولست بابنة عمه فيرعى رحمي، وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي في ذلك ما فيه. قال: قومي بارك الله عليك. ادعي لي فلانة " لابنته الوسطى "؛ فدعتها، ثم قال لها مثل قوله لأختها؛ فأجابته بمثل جوابها وقالت: إني خرقاء وليست بيدي صناعة، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي في ذلك ما تعلم، وليس بابن عمي فيرعى حقي، ولا جارك في بلدك فيستحييك. قال: قومي بارك الله عليك. أدعي لي بهيسة " يعني الصغرى "، فأتي بها فقال لها كما قال لهما. فقالت: أنت وذاك. فقال لها: إني قد عرضت ذلك على أختيك فأبتاه. فقالت - ولم يذكر لها مقالتيهما - لكني والله الجميلة وجهاً، الصناع يداً، الرفيعة خلقاً، الحسيبة أباً، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه بخير. فقال: بارك الله عليك. ثم خرج إلينا فقال: قد زوجتك يا حارث بهيسة بنت أوس. قال: قد قبلت. فأمر أمها أن تهيئها وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له، وأنزله إياه. فلما هيئت بعث بها إليه. فلما أدخلت إليه لبث هنيهةً ثم خرج إلي. فقلت: أفرغت من شأنك? قال: لا والله. قلت: وكيف ذاك? قال: لما مددت يدي إليها قالت: مه ! أعند أبي وإخوتي !! هذا والله ما لا يكون. قال: فأمر بالرحلة فارتحلنا ورحلنا بها معنا، فسرنا ما شاء الله. ثم قال لي: تقدم فتقدمت، وعدل بها عن الطريق، فلما لبث أن لحق بي. فقلت: أفرغت? قال: لا والله. قلت: ولم? قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة أو السبية الأخيذة ! لا والله حتى تنحر الجزر، وتذبح الغنم، وتدعو العرب، وتعمل ما يعمل لمثلي. قلت: والله إني لأرى همةً وعقلاً، وأرجو أن تكون المرأة منجبةً إن شاء الله. فرحلنا حتى جئنا بلادنا، فأحضر الإبل والغنم، ثم دخل عليها وخرج إلي. فقلت: أفرغت? قال: لا. قلت: ولم? قال: دخلت عليها أريدها، وقلت لها قد أحضرنا من المال ما قد ترين، فقالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف ما لا أراه فيك. قلت: وكيف? قالت: أتفرغ لنكاح النساء والعرب تقتل بعضها ! " وذلك في أيام حرب عبس وذبيان ". قلت: فيكون ماذا? قالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك. فقلت: والله إني لأرى همةً وعقلاً، ولقد قالت قولاً. قال: فاخرج بنا. فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا فيما بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحتسبوا القتلى؛ فيؤخذ الفضل ممن هو عليه، فحملنا عنهم الديات، فكانت ثلاثة الآف بعير في ثلاث سنين، فانصرفنا بأجمل الذكر. قال محمد بن عبد العزيز: فمدحوا بذلك، وقال فيه زهير بن أبي سلمى قصيدته. نظم زهير معلقته في مأثرة صانعي السلام هذين. يبدو أنها نظمت في فترة متأخرة من حياته، إذ أنها تلخص كل حكمة بدو الناضجة، التي ما تزال موجودة في الصحراء حتى يومنا هذا.

معلقــة زهيــر الشهيــرة :

أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَـةٌ لَمْ تَكَلَّـمِ

بِحَـوْمَانَةِ الـدُّرَّاجِ فَالمُتَثَلَّـمِ

وَدَارٌ لَهَـا بِالرَّقْمَتَيْـنِ كَأَنَّهَـا

مَرَاجِيْعُ وَشْمٍ فِي نَوَاشِرِ مِعْصَـمِ

بِهَا العِيْنُ وَالأَرْآمُ يَمْشِينَ خِلْفَـةً

وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ

وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ حِجَّةً

فَـلأيَاً عَرَفْتُ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّـمِ

أَثَـافِيَ سُفْعاً فِي مُعَرَّسِ مِرْجَـلِ

وَنُـؤْياً كَجِذْمِ الحَوْضِ لَمْ يَتَثَلَّـمِ

فَلَـمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلْتُ لِرَبْعِهَـا

أَلاَ أَنْعِمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الرَّبْعُ وَاسْلَـمِ

تَبَصَّرْ خَلِيْلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِـنٍ

تَحَمَّلْـنَ بِالْعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُـمِ

جَعَلْـنَ القَنَانَ عَنْ يَمِينٍ وَحَزْنَـهُ

وَكَـمْ بِالقَنَانِ مِنْ مُحِلٍّ وَمُحْـرِمِ

عَلَـوْنَ بِأَنْمَـاطٍ عِتَاقٍ وكِلَّـةٍ

وِرَادٍ حَوَاشِيْهَـا مُشَاكِهَةُ الـدَّمِ

وَوَرَّكْنَ فِي السُّوبَانِ يَعْلُوْنَ مَتْنَـهُ

عَلَيْهِـنَّ دَلُّ النَّـاعِمِ المُتَنَعِّــمِ

بَكَرْنَ بُكُورًا وَاسْتَحْرَنَ بِسُحْـرَةٍ

فَهُـنَّ وَوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَـمِ

وَفِيْهـِنَّ مَلْهَـىً لِلَّطِيْفِ وَمَنْظَـرٌ

أَنِيْـقٌ لِعَيْـنِ النَّـاظِرِ المُتَوَسِّـمِ

كَأَنَّ فُتَاتَ العِهْنِ فِي كُلِّ مَنْـزِلٍ

نَـزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنَا لَمْ يُحَطَّـمِ

فَـلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقاً جِمَامُـهُ

وَضَعْـنَ عِصِيَّ الحَاضِرِ المُتَخَيِّـمِ

ظَهَرْنَ مِنْ السُّوْبَانِ ثُمَّ جَزَعْنَـهُ

عَلَى كُلِّ قَيْنِـيٍّ قَشِيْبٍ وَمُفْـأَمِ

فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الذِّي طَافَ حَوْلَهُ

رِجَـالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُـمِ

يَمِينـاً لَنِعْمَ السَّـيِّدَانِ وُجِدْتُمَـا

عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحِيْلٍ وَمُبْـرَمِ

تَدَارَكْتُـمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَـا

تَفَـانَوْا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشَـمِ

وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعـاً

بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ القَوْلِ نَسْلَـمِ

فَأَصْبَحْتُمَا مِنْهَا عَلَى خَيْرِ مَوْطِـنٍ

بَعِيـدَيْنِ فِيْهَا مِنْ عُقُوقٍ وَمَأْثَـمِ

عَظِيمَيْـنِ فِي عُلْيَا مَعَدٍّ هُدِيْتُمَـا

وَمَنْ يَسْتَبِحْ كَنْزاً مِنَ المَجْدِ يَعْظُـمِ

تُعَفِّـى الكُلُومُ بِالمِئينَ فَأَصْبَحَـتْ

يُنَجِّمُهَـا مَنْ لَيْسَ فِيْهَا بِمُجْـرِمِ

يُنَجِّمُهَـا قَـوْمٌ لِقَـوْمٍ غَرَامَـةً

وَلَـمْ يَهَرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَـمِ

فَأَصْبَحَ يَجْرِي فِيْهِمُ مِنْ تِلاَدِكُـمْ

مَغَـانِمُ شَتَّـى مِنْ إِفَـالٍ مُزَنَّـمِ

أَلاَ أَبْلِـغِ الأَحْلاَفَ عَنِّى رِسَالَـةً

وَذُبْيَـانَ هَلْ أَقْسَمْتُمُ كُلَّ مُقْسَـمِ

فَـلاَ تَكْتُمُنَّ اللهَ مَا فِي نُفُوسِكُـمْ

لِيَخْفَـى وَمَهْمَـا يُكْتَمِ اللهُ يَعْلَـمِ

يُؤَخَّـرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَـرْ

لِيَـوْمِ الحِسَـابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَـمِ

وَمَا الحَـرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُـمُ

وَمَا هُـوَ عَنْهَا بِالحَـدِيثِ المُرَجَّـمِ

مَتَـى تَبْعَـثُوهَا تَبْعَـثُوهَا ذَمِيْمَـةً

وَتَضْـرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُـوهَا فَتَضْـرَمِ

فَتَعْـرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَـا

وَتَلْقَـحْ كِشَـافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِـمِ

فَتُنْتِـجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُـمْ

كَأَحْمَـرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِـعْ فَتَفْطِـمِ

فَتُغْـلِلْ لَكُمْ مَا لاَ تُغِـلُّ لأَهْلِهَـا

قُـرَىً بِالْعِـرَاقِ مِنْ قَفِيْزٍ وَدِرْهَـمِ

لَعَمْـرِي لَنِعْمَ الحَـيِّ جَرَّ عَلَيْهِـمُ

بِمَا لاَ يُؤَاتِيْهِم حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَـمِ

وَكَانَ طَوَى كَشْحاً عَلَى مُسْتَكِنَّـةٍ

فَـلاَ هُـوَ أَبْـدَاهَا وَلَمْ يَتَقَـدَّمِ

وَقَـالَ سَأَقْضِي حَاجَتِي ثُمَّ أَتَّقِـي

عَـدُوِّي بِأَلْفٍ مِنْ وَرَائِيَ مُلْجَـمِ

فَشَـدَّ فَلَمْ يُفْـزِعْ بُيُـوتاً كَثِيـرَةً

لَدَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَـمِ

لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِلاحِ مُقَـذَّفٍ

لَـهُ لِبَـدٌ أَظْفَـارُهُ لَـمْ تُقَلَّــمِ

جَـريءٍ مَتَى يُظْلَمْ يُعَاقَبْ بِظُلْمِـهِ

سَرِيْعـاً وَإِلاَّ يُبْدِ بِالظُّلْـمِ يَظْلِـمِ

دَعَـوْا ظِمْئهُمْ حَتَى إِذَا تَمَّ أَوْرَدُوا

غِمَـاراً تَفَرَّى بِالسِّـلاحِ وَبِالـدَّمِ

فَقَضَّـوْا مَنَايَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ أَصْـدَرُوا

إِلَـى كَلَـأٍ مُسْتَـوْبَلٍ مُتَوَخِّـمِ

لَعَمْرُكَ مَا جَرَّتْ عَلَيْهِمْ رِمَاحُهُـمْ

دَمَ ابْـنِ نَهِيْـكٍ أَوْ قَتِيْـلِ المُثَلَّـمِ

وَلاَ شَارَكَتْ فِي المَوْتِ فِي دَمِ نَوْفَلٍ

وَلاَ وَهَـبٍ مِنْهَـا وَلا ابْنِ المُخَـزَّمِ

فَكُـلاً أَرَاهُمْ أَصْبَحُـوا يَعْقِلُونَـهُ

صَحِيْحَـاتِ مَالٍ طَالِعَاتٍ بِمَخْـرِمِ

لِحَـيِّ حَلالٍ يَعْصِمُ النَّاسَ أَمْرَهُـمْ

إِذَا طَـرَقَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَـمِ

كِـرَامٍ فَلاَ ذُو الضِّغْنِ يُدْرِكُ تَبْلَـهُ

وَلا الجَـارِمُ الجَانِي عَلَيْهِمْ بِمُسْلَـمِ

سَئِمْـتُ تَكَالِيْفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِـشُ

ثَمَانِيـنَ حَـوْلاً لا أَبَا لَكَ يَسْـأَمِ

وأَعْلـَمُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَـهُ

وَلكِنَّنِـي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَـمِ

رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ

تُمِـتْهُ وَمَنْ تُخْطِىء يُعَمَّـرْ فَيَهْـرَمِ

وَمَنْ لَمْ يُصَـانِعْ فِي أُمُـورٍ كَثِيـرَةٍ

يُضَـرَّسْ بِأَنْيَـابٍ وَيُوْطَأ بِمَنْسِـمِ

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ

يَفِـرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْـمَ يُشْتَـمِ

وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْـلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِـهِ

عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْـنَ عَنْـهُ وَيُذْمَـمِ

وَمَنْ يُوْفِ لا يُذْمَمْ وَمَنْ يُهْدَ قَلْبُـهُ

إِلَـى مُطْمَئِـنِّ البِرِّ لا يَتَجَمْجَـمِ

وَمَنْ هَابَ أَسْـبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَـهُ

وَإِنْ يَرْقَ أَسْـبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّـمِ

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِـهِ

يَكُـنْ حَمْـدُهُ ذَماً عَلَيْهِ وَيَنْـدَمِ

وَمَنْ يَعْصِ أَطْـرَافَ الزُّجَاجِ فَإِنَّـهُ

يُطِيـعُ العَوَالِي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْـذَمِ

وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِـهِ

يُهَـدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمْ النَّاسَ يُظْلَـمِ

وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُواً صَدِيقَـهُ

وَمَنْ لَم يُكَـرِّمْ نَفْسَـهُ لَم يُكَـرَّمِ

وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مَنْ خَلِيقَـةٍ

وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَـمِ

وَكَاءٍ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِـبٍ

زِيَـادَتُهُ أَو نَقْصُـهُ فِـي التَّكَلُّـمِ

لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُـؤَادُهُ

فَلَمْ يَبْـقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ

وَإَنَّ سَفَاهَ الشَّـيْخِ لا حِلْمَ بَعْـدَهُ

وَإِنَّ الفَتَـى بَعْدَ السَّفَاهَةِ يَحْلُـمِ

سَألْنَـا فَأَعْطَيْتُـمْ وَعُداً فَعُدْتُـمُ

وَمَنْ أَكْـثَرَ التّسْآلَ يَوْماً سَيُحْـرَمِ








يتبع

على النيه 05-08-2010 11:44 PM

"طرفة بن العبد "


سيــرتهـ الذآتيــهـ :

هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر ابن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان. شاعر جاهلي من الطبقة الولى، كان هجاءً غير فاحش القول، تفيض الحكمة على لسانه،في أكثر شعره. ولد في بادية البحرين وتنقل في بقاع نجد. اتصل بالملك عمرو بن هند فجعله في ندمائه، ثم أرسله بكتاب إلى المكعبر عامله على البحرين وعُمان يأمره بقتله، لأبيات بلغ الملك أن طرفه هجاه بها، فقتله المكعبر بها.
كان، كما قال الزوزني، في حسب كريم وعدد كثير، وكان شاعرا جريئا على الشعر، وكانت أخته عند عبد عمرو بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس وكان عبد عمرو سيد أهل زمانه، وكان من أكرم الناس على عمرو بن هند الملك، فشكت أخت طرفة شيئاً من أمر زوجها إلى طرفة فعاب عبد عمرو وهجاه وكان من هجائه أياه أن قال:
وَلا خَيرَ فيه غَيرَ أنَّ لَهُ غِنىً- وَأنَّ لَهُ كَشحاً إذا قامَ أهضَمضا
تَظَلّ نساءُ الحَيِّ يَعكُفنَ حَولَهُ- يَقُلنَ عَسيبٌ من سَرارَةَ مَلهَما
يعكفن: أي يطفن. العسيب: أغصان النخلز سرارة الوادي: قرارته وأنعمه أجوده نبتاً. الملهم: قرية باليمامة.
فبلغ ذلك عمرو بن هند الملك وما رواه فخرج يتصيد ومعه عبد عمرو فرمى حماراً فعقره فقال لعبد مرو: انزل فاذبحه، فعالجه فأعياه فضحك الملك وقال. لقد أبصرك طرفة حيث يقول، وأنشد: ولا خير فيه، وكان طرفة هجا قبل ذلك عمرو بن هند فقال فيه:
فَلًَيتَ لَنا مكانَ المَلكِ عمرٍو- رَغوثاً حَولَ قبَّتِنَا تَخُورُ
مِنَ الزَّمِرَاتِ أسبَل قَادِمَاهَا- وَضرَّتُهَا مُرَكَّنةً دَرُورُ
لَعَمرُكَ إنَّ قَابُوسَ بنَ هِندٍ- لَيَخلِدُ مُلكَهُ نُوكُ كَثِيرُ
قَسَمتَ الدَّهرَ في زَمَنٍ رَخيٍّ- كَذَاكَ الحُكمُ يَقصِدُ أو يَجُورُ
فلما قال عمرو بن هند لعبد عمرو ما قال طرفة قال: أبيت اللعن! ما قال فيك أشدّ مما قال فيّ، فأنشده الأبيات فقال عمرو بن هند: أو قد بلغ من أمره أن يقول فيّ مثل هذا الشعر? فأمر عمرو فكتب إلى رجل من عبد القيس بالبحرين وهو المعلّى ليقتله، فقال له بعض جلسائه. إنك إن قتلت طرفة هجاك المتلمّس، رجل مسنّ مجرّب، وكان حليف طرفة وكان من بني ضبيعة. فأرسل عمرو إلى طرفة والمتلمّس فأتياه فكتب لهما إلى عامله بالبحرين ليقتلهما وأعطاهما هدية من عنده وحملهما وقال: قد كتبت لكما بحباء، فأقبلا حتى نزلا الحيرة، فقال المتلمّس لطرفة: تعلمن والله إن ارتياح عمرو لي ولك لأمر عندي مريب وإن انطلاقي بصحيفة لا أدري ما فيها? فقال طرفة: إنك لتسيء الظنّ، وما نخاف من صحيفة إن كان فيها الذي وعدنا وإلا رجعنا فلم نترك منه شيئاً? فأبى أن يجيبه إلى النظر فيها، ففكّ المتلمس ختمها ثم جاء إلى غلام من أهل الحيرة فقال له: أتقرأ يا غلام? فقال: نعم، فأعطاه الصحيفة فقرأها فقال الغلام: أنت المتلمس? قال. نعم، قال: النجاء فقد أمر بقتلك فأخذ الصحيفة فقذفها في البحيرة، ثم أنشأ يقول:
وألقَيتُهَا بالثَّنِي مِن جَنبِ كافرٍ- كَذلِكَ ألقي كُلَّ رَأي مُضَلَّلِ
رَضيتُ لهَا بالمَاءِ لمّا رَأيتُهَا- يَجُولُ بهَا التيَّارُ في كلِّ جَدوَلِ
فقال المتلمّس لطرفة: تعلمن والله أن الذي في كتابك مثل الذي في كتابي، فقال طرفة: لئن كان اجترأ عليك ما كان بالذي يجترىء عليّ، وأبى أن يطيعه؛ فسار المتلمّس من فوره ذلك حتى أتى الشام فقال في ذلك:
مَن مُبلغُ الشُّعرَاءِ عَن أخوَيهمُ- نَبَأ فتَصدقهم بذاكَ الأنفُسُ
أودى الذي عَلِقَ الصَّحيفَة منهُما- ونَجَا حِذارَ حَيَاتِهِ المتلمِّسُ
ألقَى صَحِفَتَهُ وَنَجَّت كُورَهُ- وَجنَا مُحَمَّرَةُ المَنَاسِمِ عِرمِسُ
عَيرَانَةٌ طَبَخَ الهَواجِرُ لَحمَها- فَكَأنَّ نُقبَتَها أدِيمٌ أملَسُ
وخرج طرفة حتى أتى صاحب البحرين بكتابه، فقال له صاحب البحرين: إنك في حسب كريم وبيني وبين أهلك إخاء قديم وقد أمرتُ بقتلك فاهرب إذا خرجت من عندي فإن كتابك إن قرىء لم أجد بدّا من أن أقتلك، فأبى طرفة أن يفعله، فجعل شبان عبدالقيس يدعونه ويسقونه الخمر حتى قُتل.
وقد كان قال في ذلك قصيدته التي أولها لخولة أطلال؛ انقضى حديث طرفة برواية المفضّل؛ وذكر العتبيّ سبباً آخر في قتله، وذلك أنه كان ينادم عمرو بن هند يوماً فأشرفت أخته فرأى طرفة ظلّها في الجام الذي في يده فقال:
ألا يا ثاني الظبي- الذي يبرُقُ شنفاهُ
ولَولا الملكُ القاعدُ- قد ألثَمَني فاهُ
فحقد ذلك عليه، قال: ويقال إن اسمه عمرو وسمي طرفة ببيت قاله، وأمه وردة؛ وكان من أحدث الشعراء سنّاً وأقلّهم عمرا، قتل وهو ابن عشرين سنة فيقال له ابن العشرين. ورأيت أنا مكتوبا في قصته في موضع آخر أنه لما قرأ العامل الصحيفة عرض عليه فقال: اختر قتلة أقتلك بها، فقال: اسقني خمراً فإذا ثملت فافصد أكحلي، ففعل حتى مات، فقبره بالبحرين، وكان له أخ يقال له معبد بن العبد فطالب بديته فأخذها من الحوافر.
قال مطاع صفدي و إيليا حاوي: كان مولد طَرَفة (543- 569م) في البحرين. نشأ يتيماً من أبيه، وكفله أعمامه، ولكنهم لم يعوّضوه عن فقدان الأب، بل حُكي أنهم اضطهدوه. فجعله ذلك متفرّداً منكفئاً على ذاته، متحللاً بفطرته من التقاليد الاجتماعية. واندفع الفتى منذ شبابه الباكر في حياة الفروسية واللّهو والمتعة، حتى طرده قومه، وجال في البلاد. ووصل أطراف الجزيرة، وتقرّب من بلاط المناذرة، حتى وقعت له الحادثة المشهورة مع خاله المتلمَّس. فقد أرسله عمرو بن هند، هو وخاله، إلى عامله في البحرين، وحمَّل كلاًّ منهما رسالة مُغلقة، أوهمهما أنها تتضمّن طلباً للمكافأة. وتروي القصّة أن المتلمّس فضَّ الرسالة أثناء الطريق، وعرف مضمونها، ونجا من القتل، في حين أن طرفة أبي أن يفتح رسالته ومضى إلى حتفه. فقتله عامل البحرين بناء على أمر الملك، وبعد أن خيّره في رغبة أخيرة يحققها له. فطلب طرفة أن يشرب الخمر ثم يُفصد. وقضى وهو دون الثلاثين من عمره.
وطرفة هو من الشخصيات شبه الأسطورية، في قافلة الشعراء الملحميّين الكبار، تنبثق شخصيته، كأحد فرسان الدَّفق الحيوي الخلاَّق في شباب حضارة كبرى مليئة. ذلك أن طرفة ساق حياة السالك المكتشف لروائع الوجود، المتمتع بألوان المعيشة العنيفة، المنطلق إلى مجاهل الإحساس البكر، في لقاء كل ما هو صاخب الوجود، رائع المثال، فوُصف بأنه فتى الجَّهل الأول، ونعت أنه منفاق، مهذار، طليق إلى درجة التَّحدّي لتقاليد الآخرين، مستهتر بمقامات الرجال، ولو كانوا ملوكاً وأشقّاء ملوك، ولو كانوا سادة لقبائلهم وعشائرهم.
ولد والشعر منهمر في دمه من أصلاب أمه وأبيه. وكان تمرّده منذ الطفولة والشباب، قد جعله يتيم الحبّ والتقدير لدى أبيه. واحتقاره للمال والثروة، جعله فقيراً طريداً من قومه. واعتزازه بكرامته فصَل بينه وبين حياة القصر النّعماني، ومهَّد لقتله غدراً، في تلك القصة الشهيرة المعروفة. بكورة في اليُتْم، بكورة في التمرَّد، فجَّرا فيه فروسية الشعر وهو دون العشرين. وتصاعدت هذه الفروسية إلى أفق معاناة شمولية تلقاء الوجود قلّ مثيلها لدى أمثاله، وفي تلك الحقبة البعيدة من التَّاريخ العربي.
لقد استطاع طرفة أن يقيم مذهباً وجودياً، بكل معنى الكلمة من خلال تعبيره عن حياته، ومن معايشة نزواته وأفكاره، بصورة صاخبة متأجّجة بالنّزوع إلى الحرية، وتحقيق الشخصية الذاتية بكل انفعالاتها الأصيلة، وتحدياتها لحتميات العالم الخارجي.
وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن طرفة في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: يحتل طرفة عند العلماء منزلة تلي امرؤ القيس كشاعر جاهلي، ليس لشعره الذي وصلنا، بل للقصائد التي فقدت. يضعه "المفضل" بين أساتذة المعلقات السبع التي يدعوها العرب " الصموت " خيوط العقد. كما يعتقد أن هذه المعلقة أكثر انتظاماً في بنيتها من كل المعلقات الأخرى، نظرة نقدية لها وزنها في كل المدارس. أما بالنسبة للقارىء الإنجليزي، فإن هذا التفوق أقل وضوحاً. من المؤكد أن مطلع معلقة طرفة انتحال من معلمه العظيم امرؤ القيس ولا يبرر أي جمال فكري خاص أو أسلوب بياني، الحكم على ما تبقى من القصيدة. كان وضعها في شكل إنجليزي مقروء، مهمة صعبة.
كان طرفة، الذي اسمه الحقيقي عامر بن العبد، شاباً عاصر امرؤ القيس وأقل الشعراء العرب قاطبة عمراً. يقال إنه قتل في سن السادسة والعشرين. كان من قبيلة ظبية من العائلة الحاكمة، شاباً بدوياً طائشاً، كما الحال الآن في الجزيرة، خصب الخيال، متهوراً ضالاً، متورطاً في شجار دائم مع الآخرين، سليط اللسان عنيف الطبع. يروى أن كان يملك قطيعاً من الإبل مع أخيه معبد, وكانا يرعيانه بالتناوب. لكن طرفة كان مهملاً ومغرماً بنظم الشعر فلم يقم بمهمته مما أدى إلى شجار يشار إليه في المعلقة. حين لامه معبد قائلاً هل يستطيع شعره إرجاع الإبل إن ضاعت، أجاب طرفة بعناد بنعم ورفض الإصغاء. وكما توقع معبد ضاعت الجمال يوماً في عملية سطو، فذهب طرفة ليثبت صحة ادعائه إلى أصدقائه وأقاربه طالباً المساعدة لاسترجاع الإبل، وكان منهم ابن عمه مالك، الذي وبخه لكسله وحماقته، توبيخ، يقال إنه سبب نظم المعلقة. ويروى أيضاً إن أحداً لم يساعده ولم تستعاد الإبل، لكن طرفة استطاع تنفيذ ما وعد به، إذ أن شيخ قبيلة وهبه مئة جمل عوض الضائعة إثر مدح طرفة له في قصيدة.
نهايته جاءت مأساوية. عند ذهابه إلى بلاط عمرو بن هند، ملك الحيرة، كان يجلس مع الأمير عندما مرت أخت الأمير، رأى طرفة ، بالرغم من عدم نظره إليها، عكس وجهها في قدح فضي كان يمسك به، فقال:
ألا يا ثاني الظبي- الذي يبرق شنفاه
ولولا الملك القاعد- قد ألثمني فاه
عندما نما هذا إلى مسامع عمرو لم يسره ذلك، ويقال إن طرفة، الذي لم تعد له حظوة عند الملك، هجاه وأتم بذلك إساءته. كتم عمرو مع ذلك غيظه وأرسل في طلب طرفة وشاعر آخر، خال طرفة المتلمس، الذي كان قد أساء إليه أيضاً، وأغدق عليهم العطايا وطلب منهم الذهاب بحجة إلى البحرين التي كانت آنذاك تحت حكمه. أعطى كل منهما رسالة لواليه هناك، كما لو كانت رسالة توصية. ذهب طرفة دون أي شك، لكن المتلمس، كونه رجل كبير السن وأكثر دراية بأساليب الأمير لم يكن راضياً، وقبل مغادرة الحيرة رأى فتح الرسائل لمعرفة ما فيهما. وجدا صبياً في أطراف الحيرة، مسيحي من العبادي، يعرف القراءة. فتح المتلمس رسالته طلب من الصبي قراءة ما فيها. أخبره الصبي أن الملك طلب من واليه قتل حامل الرسالة. ألقى المتلمس الرسالة في نهر الفرات وهرب. غير أن طرفة، من شدة ثقته بنفسه وظنه أن ابن هند لا يجرؤ على معاملته بالعنف لأنه من عشيرة قوية، ذهب إلى البحرين وقدم الرسالة للوالي. ولما كان الوالي، ربيعة بن الحارث، من أقرباء طرفة، فلقد حاول إنقاذه وتوسل إليه الهرب ليلاً قبل أن يعلم أحد بمجيئه. لكن طرفة رفض، ظنناً منه أن الوالي يريد خداعه لنيل الغنيمة بنفسه. وقال " والله، لن أفعل هذا، وأعطي عمرو ذريعة لقتلي إن هربت. في الصباح قبض عليه وسجن. اعتذر ربيعة من ابن هند قائلاً إنه لا يستطيع قتل قريبه. أرسل عمرو بن هند رجلاً من بني تغلب ليحل مكان ربيعة في البحرين وقتل ربيعة وطرفة. يقول بعض الناس إن من قتل طرفة كان من قبيلة الحوافر، التي دفعت دية دمه إلى والده لاحقاً. تختلف الروايات في ذلك. حسب بعض الروايات، أكثرها ثقة، قتل بالسيف، آخرون يقولون دفن حياً، بينما يقول آخرون سمح له بشرب الخمر حتى فقد وعيه وقطع شريان في يده حتى توفي. رثته أخته الخرنق بأبيات حزينة.
وقال عنه دبليو إى كلوستون في كتاب من تحريره وتقديمه عن الشعر العربي: كان طرفة بن العبد من قبيلة مزينة، أحد فخوذ قبيلة بني بكر، لذا سمي المزاني. أثبت نبوغه الشعري في سن السابعة حين كان مسافراً مع عمه والقافلة تستريح في الليل على ضفاف جدول صاف، وضع طرفة شركاً لصيد القبرة، لكنه لم يفلح. عندما عزمت القافلة على الرحيل ثانية عبر الصبي عن المناسبة بقصيدة.
يعود سبب نظم المعلقة إلى ضياع إبله وإبل أخيه. قال سي. دو بيرسيفال إن عمرو بن المرتضى، شيخ مدحه طرفة في معلقته قد أرسل إلى طرفة قائلاً إن الله وحده من يمنح الأبناء، لكن في الأمور الأخرى سيعامله كواحد من أبنائه. ثم أرسل الشيخ في طلب أبنائه السبعة وأحفاده الثلاثة وأمر كلاً منهم بتقديم عشرة جمال إلى الشاعر، وبذلك عوض خسارته التي لامه أخوه عليها.
أهم حدث في حياة طرفة القصيرة كان موته المأساوي. أرسل عمرو ملك الحيرة طرفة والمتلمس، شاعر مشهور أيضاً، ليرافقا أخاه الأصغر قابوس، الذي كان يحضره لخلافته. يبدو أن قابوس كان مدمناً على الشراب وكثيراً ما يكون ثملاً. هجاه الشاعران وهجيا الملك أيضاً. غضب عمرو بسبب هذه السخرية فأعطى كل واحد منهما رسالة إلى حاكم البحرين أمره فيها بقتل حاملها. شك المتلمس في نوايا الملك ففتح الرسالة وعرضها على صديق قرأها له. عندما علم بما جاء فيها مزقها ونصح طرفة بالعودة معه. لكن طرفة اعتقد أن قارىء الرسالة قد خدع صديقه فرفض الاستماع إلى النصيحة وأكمل رحلته المميتة. عند تسليم الرسالة قام حاكم البحرين بتنفيذ ما جاء فيها. قطع عمرو يدي ورجلي طرفه ودفنه حياً. كان طرفة في السادسة والعشرين عندما قضى.
قال عبد القادر فيدوم في دراسة له عن شعر طرفة: يحتل طرفة عند العلماء منزلة تلي امرؤ القيس كشاعر جاهلي، ليس لشعره الذي وصلنا، بل للقصائد التي فقدت. يضعه "المفضل" بين أساتذة المعلقات السبع التي يدعوها العرب "الصموت" خيوط العقد. كما يعتقد أن هذه المعلقة أكثر انتظاماً في بنيتها من كل المعلقات الأخرى، نظرة نقدية لها وزنها في كل المدارس. أما بالنسبة للقارىء الإنجليزي، فإن هذا التفوق أقل وضوحاً. من المؤكد أن مطلع معلقة طرفة انتحال من معلمه العظيم امرؤ القيس ولا يبرر أي جمال فكري خاص أو أسلوب بياني، الحكم على ما تبقى من القصيدة. كان وضعها في شكل إنجليزي مقروء، مهمة صعبة.
كان طرفة، الذي اسمه الحقيقي عامر بن العبد، شاباً عاصر امرؤ القيس وأقل الشعراء العرب قاطبة عمراً. يقال إنه قتل في سن السادسة والعشرين. كان من قبيلة ظبية من العائلة الحاكمة، شاباً بدوياً طائشاً، كما الحال الآن في الجزيرة، خصب الخيال، متهوراً ضالاً، متورطاً في شجار دائم مع الآخرين، سليط اللسان عنيف الطبع. يروى أن كان يملك قطيعاً من الإبل مع أخيه معبد, وكانا يرعيانه بالتناوب. لكن طرفة كان مهملاً ومغرماً بنظم الشعر فلم يقم بمهمته مما أدى إلى شجار يشار إليه في المعلقة. حين لامه معبد قائلاً هل يستطيع شعره إرجاع الإبل إن ضاعت، أجاب طرفة بعناد بنعم ورفض الإصغاء. وكما توقع معبد ضاعت الجمال يوماً في عملية سطو، فذهب طرفة ليثبت صحة ادعائه إلى أصدقائه وأقاربه طالباً المساعدة لاسترجاع الإبل، وكان منهم ابن عمه مالك، الذي وبخه لكسله وحماقته، توبيخ، يقال إنه سبب نظم المعلقة. ويروى أيضاً إن أحداً لم يساعده ولم تستعاد الإبل، لكن طرفة استطاع تنفيذ ما وعد به، إذ أن شيخ قبيلة وهبه مئة جمل عوض الضائعة إثر مدح طرفة له في قصيدة.
نهايته جاءت مأساوية. عند ذهابه إلى بلاط عمرو بن هند، ملك الحيرة، كان يجلس مع الأمير عندما مرت أخت الأمير، رأى طرفة ، بالرغم من عدم نظره إليها، عكس وجهها في قدح فضي كان يمسك به، فقال:
ألا يا ثاني الظبي- الذي يبرق شنفاه
ولولا الملك القاعد- قد ألثمني فاه
عندما نما هذا إلى مسامع عمرو لم يسره ذلك، ويقال إن طرفة، الذي لم تعد له حظوة عند الملك، هجاه وأتم بذلك إساءته. كتم عمرو مع ذلك غيظه وأرسل في طلب طرفة وشاعر آخر، خال طرفة المتلمس، الذي كان قد أساء إليه أيضاً، وأغدق عليهم العطايا وطلب منهم الذهاب بحجة إلى البحرين التي كانت آنذاك تحت حكمه. أعطى كل منهما رسالة لواليه هناك، كما لو كانت رسالة توصية. ذهب طرفة دون أي شك، لكن المتلمس، كونه رجل كبير السن وأكثر دراية بأساليب الأمير لم يكن راضياً، وقبل مغادرة الحيرة رأى فتح الرسائل لمعرفة ما فيهما. وجدا صبياً في أطراف الحيرة، مسيحي من العبادي، يعرف القراءة. فتح المتلمس رسالته طلب من الصبي قراءة ما فيها. أخبره الصبي أن الملك طلب من واليه قتل حامل الرسالة. ألقى المتلمس الرسالة في نهر الفرات وهرب. غير أن طرفة، من شدة ثقته بنفسه وظنه أن ابن هند لا يجرؤ على معاملته بالعنف لأنه من عشيرة قوية، ذهب إلى البحرين وقدم الرسالة للوالي. ولما كان الوالي، ربيعة بن الحارث، من أقرباء طرفة، فلقد حاول إنقاذه وتوسل إليه الهرب ليلاً قبل أن يعلم أحد بمجيئه. لكن طرفة رفض، ظنناً منه أن الوالي يريد خداعه لنيل الغنيمة بنفسه. وقال " والله، لن أفعل هذا، وأعطي عمرو ذريعة لقتلي إن هربت. في الصباح قبض عليه وسجن. اعتذر ربيعة من ابن هند قائلاً إنه لا يستطيع قتل قريبه. أرسل عمرو بن هند رجلاً من بني تغلب ليحل مكان ربيعة في البحرين وقتل ربيعة وطرفة. يقول بعض الناس إن من قتل طرفة كان من قبيلة الحوافر، التي دفعت دية دمه إلى والده لاحقاً. تختلف الروايات في ذلك. حسب بعض الروايات، أكثرها ثقة، قتل بالسيف، آخرون يقولون دفن حياً، بينما يقول آخرون سمح له بشرب الخمر حتى فقد وعيه وقطع شريان في يده حتى توفي. رثته أخته الخرنق بالبيات الحزينة التالية:
في ما يخص تاريخ نظم المعلقة، قد يكون ذلك في العام 550 قبل الميلاد، ويقول البعض إنها كتبت في الأسابيع الأخيرة من حياته عندما كان سجيناً في البحرين، غير أن فحواها لا يدعم هذا الرأي. من الواضح أنها قصيدة شاب يافع يعاني من مشاكله البدوية الصغيرة وشجاره مع أقربائه. ولعها نظمت في الصحراء قبل لقائه عمرو بن هند في الحيرة. الأبيات الوحيدة التي تلمح للبحرين هي التي يقارن هوادج نساء قبيلته بالسفن. لكن هذا بعيد جداً عن الحكم النهائي. من المؤكد لو أنها نظمت في فترة متأخرة أن غضبه كان سينصب على عمرو، الذي ظلمه أكثر من ابن عمه مالك، كونه شاباً طائشاً.
يقول المفضل صاحب " جمهرة أسفار العرب " عن اسم طرفة الصحيح هو عمرو بن عبد، مدعياً إن اسم طرفة اسم منتحل. لكن هذا الرأي غير مقبول ولا معنى لاسم طرفة، إن كان اسماً منتحلاً.
وتختلف المصادر الأدبية في تحديد سنة ميلاد طرفة بن العبد، إذ ليس من السهل تحديد تاريخ ميلاده تحديداً قاطعاً- خاصة- في مثل هذه الفترة التي نقلت إلينا عن طريق الرواية وليس عن طريق الكتابة. ويكاد يجمع الرواة والإخباريون على أن طرفة عاش على وجه التقريب ما بين 535- 568م، غير أن فؤاد افرام البستاني حاول أن يضبط تاريخ ميلاده فقال: "أما نحن فلا نرى بأساً في جعل مولد طرفة سنة 543م، إذ لا نعرف رواية تخالف ذلك، ولا نرى ما ينافيه من الحوادث التاريخية".
ومن الراجح أن يكون طرفة قد ولد في هذا التاريخ الذي حدده البستاني ب: 543م، باعتباره قال الشعر وهو صغير، ثم التحق ببلاط ملك الحيرة عمرو بن هند الذي قربه إليه في بداية الأمر، ثم ما لبث أن حقد عليه فأرسله إلى عامله بالبحرين ليقتله وذلك قبل انتهاء فترة حكم عمر بن هند سنة 568م، الذي حكم على وجه التقريب من سنة 554م إلى 568م، ومن ثم يكون طرفة قد توفي قبل هذا التاريخ بقليل.
وجاء في كثير من المصادر الأدبية القديمة أن طرفة يعود نسبه إلى بكر بن وائل، غير أن أبا بكر محمد بن القاسم الأنباري استأنف في التعريف بنسبه حتى وصل به إلى عدنان فقال معرفاً به: "هو طرفة بن العبد بن سفيان، بن سعد، بن مالك، بن ضبيعة، بن قيس، بن ثعلبة، بن عكابة، بن صعب، بن علي، بن بدر، بن وائل، بن قاسط، بن نهب، بن أقصى، بن دعمي بن جديلة، بن أسد، بن ربيعة، بن نزار، بن معد، بن عدنان".
وبذلك ينتسب طرفة إلى قبيلة لها مكانتها المرموقة في التاريخ العربي القديم، ويظهر ذلك حين يفخر بأصله ونسبه، لأنه من بني وائل بن قاسط التي تفرعت من قبيلتي بكر وتغلب. فكان له الاعتزاز بانتمائه البكري من نسب الأب والتغلبي من نسب الأم، فجمع بين حيين عريقين لهما مكانتهما المسموعة. يقول في ذلك:
وتفرعنا من ابني وائل- هامة العز وخرطوم الكرم
من بني بكر إذا ما نسبوا- وبني تغلب ضرّابي البهم
وطرفة لقب غلب عليه، واسمه الحقيقي "عمرو" بن العبد، وقد سمي ب "طرفة" نسبة على "الطرفاء" وهو شجر الإثل، وذلك لبيت قاله:
لا تعجلا بالبكاء اليوم مطرفا- ولا أميريكما بالدار إذ وقفا
وعاش طرفة يتيماً حيث فقد حنان الأبوة، إذ مات أبوه وهو صغير السن، فأراد أعمامه أن يقسموا له ما خلفه من مال، فقال هذه المقطوعة الشعرية في سن مبكرة، ناقماً على تصرفاتهم نحو أمه وإخوته الصغار:
ما تنظرون بحق وردة فيكم- صغر البنون ورهط وردة غيب
قد يبعث الأمر العظيم صغيره- حتى تظل له الدماء تصبب
والظلم فرق بين حيي وائل- بكر تساقيها المنايا تغلب
قد يورد الظلم المبين آجنا- ملحاً يخالط بالدّعافِ ويقشب
وقراف من لا يستفيق دعارة- يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
والاثم داء ليس يرجى برؤه- والبر برءٌ ليس فيه معطب
والصدق يألفه اللبيب المرتجى- والكذب يألفه الدنيُّ الأخيب
ولقد بدا لي أنه سيغولني- ما غال عادا والقرون فاشعبوا
أدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم- إن الكريم إذا يحرب يغضب
ولعل موت والده وهو بعد صغير السن، وظلم أعمامه لأمه وإخوته الصغار هو الذي وجه الشاعر توجيهاً خاصاً، صبغ أدبه بالتأمل والتفكير في هذه الحياة، فكان أن حفزه ذلك إلى قول الشعر مبكراً، فضلاً عن كونه قد ورث ذلك من بيئة تمرس صاحبها بالشعر، فقد كان والده شاعراً، وكان أبوه العبد بن سفيان أخاً للمرقش الأصغر وابن أخ للمرقش الأكبر، وكلا المرقشين شاعر معروف، وكانت أمه وردة أخت المتلمس جرير بن عبد المسيح وهو شاعر معروف كذلك فضلاً عن أخته الخرنق الشاعرة، وجده لأمه عمرو بن قميئة الشاعر المشهور.
ويبدو أنه عاش في أسرة شاع الشعر وقوله بين أفرادها، مما يسر له قول الشعر وهو صغير، فكان لهذه الأسرة الأثر الكلي في تكوين ثقافته ونبوغه، كما جاء في رأي الباحثين من أن: ثقافة الشعر لطرفة تصله بالتراث الذي تطور في بطن قيس بن ثعلبة من بني بكر بن وائل، ولا تزيد البيئة العراقية إلى ثقافته تلك إلا لمسات خفيفة.
ويُروى أنه كان مع عمه في سفر، وهو بعد صغير السن، فأرادا أن يستريحا من عناء السفر فنزلا على ماء، فذهب طرفة بفخ له فنصبه للقنابر، وهو على ذلك ماكثاً معظم يومه دون أن يصيد شيئاً، وبعد يأسه من ذلك حمل فخه وعاد إلى عمه، فتحملا ورحلا من ذلك المكان، فرأى طرفة بعد ذلك القنابر يلقطن ما نثر لهن من الحب فقال:
يا لك من قبرة بمعمر-
خلا لك الجو فبيضي واصفري-
ونقري ما شئت أن تنقري-
قد رحل الصياد عنك فابشري-
ورفع الفخ فماذا تحذري-
لا بد من صيدك يوماً فاصبري-
وهي من الأراجيز الأولى التي قالها الشاعر، مما يدل على نضجه الفكري في هذا الأداء الفني الرفيع، وعلى الموهبة الناضجة.
ومما يذكر له أيضاً، وكان من باكورة نظمه، وهو ما تسجله الدراسات النقدية الحديثة في أنه من البذور الأولى للنقد عند العرب، وذلك حين سمع المتلمس ينشد هذا البيت:
وقد تناسى الهم عند احتضاره- بناج عليه الصيعرية مكدم
فصرخ طرفة منتقداً إياه، فقال جملته المشهورة "استنوق الجمل" أي خلط بين الناقة والجمل، إذ وصف الجمل بوصف الناقة، لأن الصيعرية توضع على عنق الناقة لا على عنق الجمل، فذهبت هذه المقولة مثلاً في الخلط بين الشيئين.
وكان طرفة معتزاً بنفسه، تائهاً فخوراً، مما جعله يتجرأ على أهله وذويه بعد أن حاولوا منعه من إسرافه في الشهوات وتبديده ما كان قد ورثه، فلم تجد قبيلته وأهله سبيلاً إلى ذلك سوى أن تفرده وتبتعد عنه، فاستشعر بالانعزال، كما جاء ذلك في قوله:
وما زال تشرابي الخمور ولذتي- وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها- وأفردت إفراد البعير المعبد
فأحس بالضيق نتيجة هذا الانعزال، فاضطر إلى أن يهجر قريته وأهله رغم ما كان له من منزلة بين فقراء العشيرة الذين كانوا لا ينكرون إحسانه لهم، وأغنيائها الذين يلازمون صحبته ويحبونه.
رأيت بني غبراء لا ينكرونني- ولا أهل هذاك الطراف الممدد
ومع ذلك فلم يجد بداً من أن ينطلق عبر فلوات الصحراء، ناقماً على عشيرته التي لم توله أي اهتمام بسبب إمعانه في فرديته التي دفعته إلى المغالاة في الذاتية "وهي فردية كانت القبائل تنكرها وترى فيها إخلالاً بالعقد الاجتماعي القائم بينه وبين أبنائها والذي كان يفرض على شعرائها ذلك العقد الفني". عند ذلك ترك قومه وظل هائماً في الصحراء كما في قوله:
ولا غرو إلا جارتي وسؤالها:- ألا هل لنا أهل سئلت كذلك
تعيرني طوف البلاد ورحلتي- ألا رب دار لي سوى حر دارك
وليس امرؤ أفنى الشباب مجاوراً- سوى حيِّهِ إلا كآخر هالك
ولا أنيس له في الصحراء في ذلك سوى ناقته التي لازمته وأعانته على ترحاله، فكانت له رفيقة أمينة، وكان هو الآخر أميناً لها حيث صورها لنا بصورة حية مطيلاً في وصفها لما وجد فيها من الأنس والعون، فكان بفضلها أن طاف أرجاء الصحراء التي قذفته إلى بلاد اليمن وتجاوز ذلك إلى أن وصل إلى النجاشي في الحبشة، كما ذكر ذلك الأعلم الشنتمري في مقدمة قصيدة لطرفة.
ثم ما لبث أن عاد إلى قومه بعد أن فشل في كل المحاولات بشأن تحقيق أحلامه في تحسين وضعه أو فيما كان يصبو إليه- ظناً منه- في إيجاد عالم مثالي غير عالمه القاسي مع عشيرته. فلم يجد بداً من العودة إلى قومه وعشيرته، وهم في ذلك غير مبالين به سواء رجع أم تمادى في هجره إياهم، فكان مما قاله بعد عودته لهم.
ولقد كنت عيكم عاتباً- فعقبتم بذنوب غير مر
كانت فيكم كالمغطي رأسه- فانجلى اليوم قناعي وخمر
سادراً أحسب غيِّي رشدا- فتناهيت وقد صابت بقر
وساء طرفة أن يعود إلى عشيرته "بخفي حنين" لأنه يعلم جيداً أن لا شيء ينتظره سوى أن يحمله أخوه"معبد" رعي إبله.
وكانت الحيرة أيام عمرو بن هند موئلاً لكثير من الشعراء، لما كان يغدقه ملكها من عطايا وهبات جزيلة، مقابل أن يرفع الشعراء من شأنه. وقد أراد طرفة كغيره من الشعراء أن يجرب حظه مع عمر بن هند، لكن نخوة طرفة وأنفته لم تصبر على تصرفات الملك عمرو الذي كان شديداً، صارماً في حكمه، لا يبتسم ولا يضحك، وكانت العرب تسميه مضرط الحجارة، وتهابه هيبة شديدة، بل جعلوه شريراً "وكان له يوم بؤس، ويوم نعيم، فيوم يركب في صيده يقتل أول من يلتقي به، ويوم يقف الناس ببابه فإن اشتهى حديث رجل أذن له وكان هذا دهره".
وفي رواية أخرى عن أحمد بن عبيد قال: "كان إذا ركب في يوم نعيمه لا يلقى أحداً إلا أعطاه ووهب له وقضى في حاجاته، وإذا ركب في يوم بؤسه لم يلق أحداً إلا قتله".
مكث طرفة في بلاط الحيرة واستقبله عمرو بن هند بحفاوة وقربه إليه وكان من ندمائه أخوه قابوس، وبعد أن رأى طرفة من عمرو بن هند ما ساءه فاضت قريحته شعراً، فهجا عمرو بن هند وهجا أخاه قابوس.
وقد كثرت اختلافات الرواة بشأن قصة طرفة مع الملك وسبب هجائه له، كان تلخيصها فيما يلي: تذكر معظم المصادر القديمة التي أوردت خبر طرفة أن سبب هجائه عمرو بن هند هو أن عمراً هذا كان يتباطأ في استقبال الناس وخصوصاً الشعراء الذين جاءوا من كل مكان رجاء عطاياه، إذا به يتأخر في استقبالهم، فصاروا يتكالبون على بابه ليجدوا وقتاً يدخلون فيه عليه، فاستاء طرفة من هذه المعاملة وقال شعراً يهجوه فيه. وربما كان من سبب غضب عمرو بن هند على طرفة أنه قال شعراً في أخيه قابوس الذي كان يحب الصيد وشرب الخمر، وكان أن قسم الدهر-هو أيضاً- يومين، يوماً يصيد فيه ويوماً يشرب فيه، وكان يتأخر في استقبال الشعراء إلى العشي، فتذمّر طرفة من هذه المعاملة فهجاه وهجا أخاه عمرو بن هند بقوله:
وليت لنا مكان الملك عمرو- رغوثاً حول قبتنا تخور
لعمرك إن قابوس بن هند- ليخلط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخيّ- كذاك الحكم يقصد أو يجور
وفي رواية أخرى أن طرفة لما أضاع إبل أخيه معبد ادعى جوار الملك عمرو، وكان قد تباطأ في رد الإبل إلى طرفة انتقاماً منه لأنه كان في مسيرة مع عمرو بن أمامة، فأضم عليه، أي حقد عليه- وكانت أول موجدة عليه، فبعث عمرو بن هند إلى إبل طرفة التي كانت في جوار قابوس فأخذها فقال طرفة:
لعمرك ما كانت حمولة معبد- على جدها حرباً لدينك من مضر
وكان لها جاران قابوس منهما- حذار ولم استرعها الشمس والقمر
وعمرو بن هند كان ممن أجارها- وبعض الجوار المستغاث به غرر
فمن كان ذا جار يخاف جواره- فجاراي أوفى ذمة وهما أبر
أعمرو بن هند ما ترى رأي صرمة- لها شنب ترعى به الماء والشجر
ويذكر ابن قتيبة رواية مفادها أن طرفة كان ينادم عمرو بن هند فأشرفت ذات يوم أخته، فرأى طرفة ظلها في الجام الذي في يده فقال:
ألا يا بأبي الرِّيم- الذي يبرق شنفاه
ولولا الملك العالي- لقبّلت له فاه
فحقد ذلك عليه.
وتجتمع هذه الأسباب كلية في أن عمرو بن هند كان ناقماً على طرفة، فحاول التخلص منه بعد أن تسربت له كل الأشعار التي هجاه فيها عن طريق عبد عمرو الذي يعد من سادة الناس آنذاك مما جعل عمرو بن هند يقربه إلى حاشيته، وكان زوجاً لأخت طرفة، وقد هجاه طرفة ذات يوم، وكان مما قاله فيه:
يا عجباً من عبد عمرو وبغيه- لقد رام ظلمي عبد عمرو فانعما
فشاع هذا النوع من الهجاء في عبد عمرو بين الناس، وبلغت مسامع عمرو بن هند واتفق أن خرج الملك ذات مرة إلى الصيد وخرج معه نفر من حاشيته وكان من بينهم عبد عمرو وصهر طرفة، وكان الملك قد أصاب طريدة فنزل وقال لأصحابه اجمعوا حطباً، وفيهم عبد عمرو فأوقد ناراً وشوى، فبينما الملك يأكل من شوائه وعبد عمرو يقدم له الطعام، إذ نظر إلى خصر قميصه منخرقاً فأبصر كشحه، وكان من أحسن الناس كشحاً وجسماً، وكان طرفة قد قال فيه:
ولا خير فيه غير أنّ له غنى- وأن له كشحاً إذا قام أهضما
فتمثل الملك بهذا البيت سخرية منه، فغضب عبد عمرو وقال: قد قال طرفة للملك أقبح من هذا! فقال الملك: ما الذي قال? فندم عبد عمرو مما سبق منه وأبى أن يسمعه، فقال: أسمعنيه وطرفة آمن، فأسمعه القصيدة التي هجاه فيها فسكت عمرو بن هند على وقر في نفسه، وكره أن يعجل عليه لفطنة أحد جلسائه الذي نبهه وقال له: إنك إن قتلت طرفة وأبقيت المتلمس هجاك وانتقم منك لما له من مكانة، بحكم كونه مجرباً ومسناً، وكان المتلمس قد هجا عمرو بن هند ? أيضاً- بعدة قصائد فلبث الملك يتريث الفرصة السانحة للانتقام منهما، حتى اطمأنا إليه، فلما قدما إليه ذات مرة كتب لهما صحيفة إلى عامله بالبحرين، وكان يوم ذاك ربيعة بن الحارث العبدي، وقال لهما الملك انطلقا إليه، فإن في هذه الصحيفة أمر بجوائزكما أي أنه أوهمهما أن في كتابيهما أمر بمنح جائزة لكل منهما.
وأخذ الشاعران- طرفة والمتلمس- صحيفتيهما ظناً منهما أن عمرو بن هند يأمر عامله بإعطائهما الهدية، فحملا الصحيفتين وسارا معاً حتى وصلا النجف، فارتاب المتلمس بأمر هذا الكتاب وقال لطرفة: إني لأخاف عليك من نظرة الملك إليك بعد أن هجوته، وإنك غلام حديث السن، والملك من عرفت حقده وغدره وكلانا قد هجاه، فهلم ننظر فيما كتبه لنا- فأقبلا حتى نزلا الحيرة- حينذاك فك المتلمس ختم صحيفته وعرضها على غلام من أهل الحيرة فقرأها وإذا بها أمر بقتل المتلمس، وأشار إلى طرفة بك صحيفته- هو أيضاً- فأبى، ورمى المتلمس صحيفته في نهر بالبحيرة، كما جاء في قوله:
وألقيتها بالثني من جنب كافر- كذلك اقنو كل قط مضلل
ومضى طرفة إلى عامل البحرين فكانت هناك نهايته.
وفي رواية مشابهة لهذه تروى عن المتلمس أنه قال: بعد أن كتب الملك "خرجنا حتى إذا هبطنا بذي الركاب من النجف، إذا أنا بشيخ على يساري يتبرز ومعه كسرة يأكلها وهو يقصع القمل:، فقلت: تالله ما رأيت شيخاً أحمق وأضعف وأقل عقلاً منك، قال: وما تنكر? قلت: تتبرز وتأكل وتقصع القمل، قال: أدخل طيباً وأخرج خبيثاً وأقتل عدواً، وأحمق من الذي يحمل حتفه بيمينه لا يدري ما فيه. قال: فنبهني وكأنما كنت نائماً، فإذا غلام من أهل الحيرة فقلت: يا غلام تقرأ? قال: نعم قلت: اقرأه فإذا فيه: من عمرو بن هند إلى المكعبر، إذا جاءك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً، فألقيت الصحيفة في النهر. وقلت يا طرفة: معك مثلها، قال: كلا ما كان يفعل ذلك في عقر داري قال: فأتى المكعبر فقطع يديه ورجليه ودفنه حياً، ففي ذلك يقول المتلمس:
من مبلغ الشعراء عن أخويهم- نبأ فتصدقهم بذاك الأنفس
أودى الذي علق الصحيفة منهما- ونجا حذار حبائه المتلمس
الق الصحيفة لا أبا لك إنه- يخشى عليك من الحباء النقرس
ألقى صحيفته ونجت كوره- وجناء مجمرة الفراسن عرمس
أجد إذا ضمرت تعزز لحمها- وإذا تشد بنسعها لا تنبس
ولقد تعددت الروايات بشأن مقتل طرفة مما يصعب تبيان الرأي الصحيح والاعتماد عليه، لكنها تكاد تكون متفقة على أن عمرو بن هند غضب على طرفة والمتلمس فأراد أن ينتقم منهما لهجائهما له.
بينما ذهب الشريف المرتضى إلى أن قاتل طرفة هو النعمان بن المنذر امتثالاً بقول طرفة:
أبا منذر كانت غروراً صحيفتي- ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا- حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وتذكر الأخبار أن النعمان بن المنذر قد تولى الحكم بعد مقتل طرفة بنحو سبع عشرة سنة، وقوله أبا منذر في هذين البيتين لا يكفي للدلالة على أن المعنى بقوله هو النعمان بن المنذر، فعمرو بن هند هو ابن المنذر أيضاً ويمكن أن يكنى بأبي المنذر ويذكر ابن قتيبة عن رواية أن الذي تولى قتله بيده هو معاوية بن مرّة الأيغلي. وذهب لويس شيخو في سرد القصة عن بعض الروايات، إلى أن عامل البحرين بعد أن قرأ صحيفة طرفة سأل عن المتلمس فأخبره بقراره، فعفا عنه لصدقه ورعايته لطابع الملك حيث لم يكفه، وقيل أنه سجنه وبعث إلى عمرو بن هند، وقال ما كنت لأقتل طرفة وأعادي قبيلته، فإذا أردت قتله فابعث إليه من يقتله ففعل وخيّر في قتله، فاختار أن يسقى الخمر ويفصد أكحله، ففعل به ذلك حتى مات نزفاً ودفن بهجر، يقول البحتري في ذلك:
ولقد سكنت إلى الصدود من النوى- والشّري أريٌ عند أكل الحنظل
وكذاك طرفة حين أوجس ضربة- في الرأس، هان عليه قطع الأكحل
وقيل في قتله غير ذلك، قيل إن عامل البحرين أمر بدفنه حياً.
والواقع أن مثل هذه الروايات والأخبار- بحسب ما يظهر- إنما يكثر فيها الإسراف والمغالاة، كان القصد منها وضع خبر طرفة ? شأن غيره من الشعراء المشهورين- في قصص منمق، وفي ذلك شك كبير، من حيث أنها محاولة للإيثار، تحبيباً لإسماع الناس إليها شأن كثير من الأخبار القديمة التي كانت من نسج الخيال، القصد منها الاستمالة والترغيب في الإسماع ليس غير.
لكن على الأرجح أنه مات على يد عامل عمرو بن هند بالبحرين، وفي سن مبكرة فلقب نتيجة ذلك "الغلام القتيل" وقيل له أيضاً "ابن العشرين" إذ أصبح اسم طرفة لا يذكر إلا إذا اقترن به، وذلك في كونه لم يتجاوز سن السادسة والعشرين امتثالاً بقول أخته الخرنق الشاعرة في رثائه:
عددنا له ستاً وعشرين حجة- فلما توفاها استوى سيداً ضخما
فجعنا به لما رجونا إيابه- على خير حال لا وليداً ولا قمحا
وجاء في بعض الروايات يذكرها أبو زيد القرشي أن طرفة قال لعامل البحرين حين أراد أن يقتله انظرني شهراً فقال: ولات حين مناص، فقال: انظرني عشرة أيام، فقال: ما أمرت بذلك، فقال طرفة في اليوم الأول شعراً وأرسل به إلى أخويه، خالد، ومعبد، ابني "العبد" يقول فيه:
ألا أيها الغادي تحمّل رسالة- إلى خالد مني وإن كان نائيا
وصية من يهدي السلام تحية- ويخبر أهل الود أن لا تلاقيا
خرجنا وداعي الموت فينا يقودنا- وكان لنا النعمان بالسيف حاديا
ويروى أيضاً أنه قال قبل صلبه وكان في حسب من قومه يحرضهم للثأر منه:
فمن مبلغ أحياء بكر بن وائل- بأن ابن عبد راكب غير راجل
على ناقة لم يركب الفحل ظهرها- مشذّبة أطرافها بالمناجل
ويظهر أن رواة الأخبار وجدوا في طرفة شخصية جذابة لحداثة سنه، ولما وقع له مع عمر بن هند بشأن مقتله، فكان نتيجة ذلك أن تعددت الأخبار التي يصعب التفريق بين صحيحها والزائف.
أما بخصوص نظرة النقاد القدامى إليه فقد عده معظمهم من الشعراء الفحول، وربما أول ما يلفت النظر قبل التعرض إلى رأي القدماء في شعره هو ما قالته أخته الخرنق بعد أن رثته بقولها:
عددنا له ستاً وعشرين حجة- فلما توفاها استوى سيداً ضخما
وقولها استوى سيداً ضخما يبرر ما له من مكانة أدبية في عصره وهو بعد صغير السن. وكان مما قاله ابن سلام الجمحي: فأما طرفة فأشعر الناس واحدة: (يعني معلقته) وتليها أخرى مثلها وهي:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر- ومن الحب جنون مستعر
ومن بعد له قصائد حسان جياد.
ويذكر الأنباري بإسناده إلى أبي عبيدة الذي قال: أجود الشعراء قصيدة واحدة، جيدة طويلة، ثلاثة نفر: عمر بن كلثوم والحارث بن حلزة، وطرفة بن العبد.
وجاء في رواية أخرى عن أبي عبيدة يذكرها ابن قتيبة أنه قال: مر لبيد بمجلس لنهد بالكوفة، وهو يتوكأ على عصا، فلما جاوز أمروا فتى منهم أن يلحقه فيسأله: من أشعر العرب? ففعل، فقال لبيد: الملك الضليل يعني امرؤ القيس فرجع فأخبرهم قالوا: ألا سألته: ثم من? فرجع فسأله: فقال: صاحب المحجن يعني نفسه.
ويذكر الجاحظ أنه ليس في الأرض أعجب من طرفة بن العبد، وعبد يغوث، وذلك أننا إذا قسنا جودة أشعارهما في حال الأمن والرفاهية.
وقال أبو العلاء المعري على لسان محاوره مخاطباً طرفة في رسالة الغفران: ولو لم يكن لك أثر في العاجلة إلا قصيدتك التي على الدال لكنت قد أبقيت أثراً حسنا.
ويظهر من خلال هذه الآراء أنها تروي منزلة طرفة الشعرية التي أحرزها بين شعراء عصره، فاعتبر من متقدمي الفحول وأسبقهم إلى الإجادة في معظم إبداعه الفني وبخاصة في ابتكاره بعض المعاني. واتفق النقاد على أن طرفة لم يسبقه في الجودة غير امرئ القيس، بل ربما كان طرفة أجود منه في وصف الناقة حيث أبدع في وصفها.
وإذا كان ابن سلام قد وصفه في الطبقة الرابعة مع عبيد بن الأبرص، وعلقمة ابن عبده وعدي بن زيد، فليس من شك في أن السبب يرجع إلى قلة ما وصله من شعره وهو ما صرح به ابن سلام في بداية حديثه عن الطبقة الرابعة بأنهم "أربعة رهط فحول، شعراء، موضعهم مع الأوائل وإنما أخل بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة" ومن ثمة فالسبب لا يعود إلى جودة الشعر وإبداعه فحسب، وإنما إلى قلته، ونظرة القدماء عن الكم من أهم المقاييس التي من شأنها تقدم هذا الشاعر أو ذاك عن سواه.

تعريف / بمعلقة طرفة :

على الرغم من حشد الأوصاف والتشبيهات الكبيرة، التي تفنَّن بها طرفة في مقطع طويل تجاوز الأربعين بيتاً، لكي يكشف لنا عن أصالة ناقته. وخصائصها الجسدية الكثيرة، إلا أن هذه الملحمة تكاد تستقطب كل قيمتها في مجموعة الأبيات، التي توصف عادة بالحكمة. وهي أعمق ما قاله شاعر جاهلي، وكشف فيها عن موقف ميتافيزيقي إطلاقي.
وهي الأبيات التي يخاطب فيها الشاعر زاجره عن التمتع بملذات الحياة. فلا يجد ثمة معنى للعيش إلا بثلاث وسائل: هي الفروسية، والخمرة، والمرأة. ومن هنا يبرز الموقف الوجودي للشاعر مليئاً، عنيفاً بالتحدي للموت والزوال. مسرفاً في ذلك التيار الحيوي الشاب المرح واليائس معاً، الذي ميَّز جيل الشعراء الشباب في العصر الجاهلي، كامرئ القيس، وتأبط شراً، والشَّنْفَري، والأعشى في بعض مذاهبه، والنابغة في جانبه الحي التلقائي. ومن الغريب أن تنبض تلك الأفكار، وتشع من جوهر هذا الفتى، وهو ما عاش إلا القليل، ولكنه عاش العريض المليء من التمتع والمعاناة.
فلا يبدو طرفة، ذلك الفتى المنحل، بقدر ما يصدر عن رأي شامل في الحياة، وفي طريقة معاشها وأخذها. ولذلك اختار لنفسه طريق الغوص على لذائذها. لا حُباً وتأليهاً لها، بقدر ما هو نوع من تحقيق اتحاد الوعي بالأرض والدم والحرارة الخلاقة المبدعة، ويتصاعد هذا الموقف أولاً من الفروسية المباشرة فهو الفارس المستعد، ما أن ينادي المنادي للوغى حتى يلبيه! وبالطرف الآخر، فإنه أيضاً هو ذلك المتذوّق المتمتع، المستعد لنداء الساقي في الحوانيت، فالسيف والكأس صنوان لا تمييز بينهما، وحياة الجد قرينة لحياة اللهو، شرط ألا يكون اللهو هرباً من واجب البطولة الأول.
وما أن يصف ترنّمه بترجيع النغم من القَيْنَة، حتى ينبري إلى إطلاق تقييم عام لموقفه ذاك، فلا يتورع عن الاعتراف بانغماره في تشراب الخمور، وإنفاقه المال مثلما يحرص البخيل على جمعه وكنزه. وكان ذاك سبباً لغضبة قومه عليه، وطرده من حياضهم، وهو كذلك، متألّم، لكنه لا يرفض العقاب ولا يقبله، لأن طرفة وضع نفسه في مذهب آخر للحياة. يتمرّد على مقاييس المذهب المتوارث المحفوظ لدى مجتمعه. وعند ذلك يُطلق كلمته الكبرى في تلك الأبيات الثلاثة الشهيرة (ألا أيهذا الزاجري، احضر الوغى..الخ)، وفيها يقول : إنه متى ما تم له استنفاد حياته بتلك السبل الثلاثة: الفروسية، وتساقي الخمرة، ومعايشة المرأة، فإنه لن يُسلّم للقبر إلا العظم والجلد، ولن يحفل أبداً متى قام عوّده.
وهكذا فقد نظر طرفة إلى الحياة، وكأنها الفرصة الوحيدة لتحقيق وجود الإنسان، فهولذلك، لن يمنع نفسه الصّادية من الغّرْف من كل مناهلها وينابيعها، بينما قد يعجز الآخر عن ذلك، ويقضي عمره صادياً محروماً.
والبخل في جود النفس، مقترن بالبخل في إنفاق المال. والموقفان يدلان على جفاف الصبوة. وضمور القدرة على الحياة في ذات البخيل. وفي النهاية فإن ذَوّاَقَةَ الحياة، والبخيل منها ولها، متساويان أمام الموت. ولهما قبران متشابهان، كومتان من التراب، وفوقهما صفائح صمَّ لا تنبئ عن شيء سوى العدم والعقم. ولكن طرفة، مع ذلك، يرى أن الموت سبَّاق إلى كرام القوم، بينما هو يُبقي على البخيل وماله إلى حين أطول. ذلك لأن ذوّاقة الحياة، يرى حياته أشبه بالكنز الذي ينبغي عليه أن يتمتع به، فينقص ليلة بعد أخرى. ومع هذا فإنه لا مهرب من الموت بالنسبة إلى كل حي، مهما طال حبل العمر. فثنيتاه أخيراً في يد العدم. هو يقود الإنسان، يمد له، وهو يجذبه إلى مصيره حين تدقُّ ساعته. فكأن الموت هو حاكم الحياة، ولكن الإنسان "المعياش" هو الذي يستطيع مع هذا ألا يُسْلم لهذا الحاكم في النهاية إلا نفايته الأخيرة. وبعد ذلك، فإن تجربة الشاعر في جفوة قومه له، وفي حسد ابن عمه، وفي لومه على تفريطه بالنّوق التي عُهد إليه بها، كل ذلك جعله يروّي آلامه ويشكو الجحود والنكران، بلغة عاطفية رائعة، في الوقت الذي يؤكد فيه على شهامته هو وتبنيه لشرف قومه ودفاعه عنهم حين الملمّات، باللسان والسيف معاً.
ثم ينتهي الشاعر بقرب نهايته، بنوع من الإشراق الداخلي الغريب الذي يعرفه بعض عباقرة الألم والإبداع في بذرة من وجودهم. فلكأن طرفة، شهيد الشباب، ما كان يرى من نهاية مناسبة لحياته الحافلة إلا الموت، بل القتل. ذلك لأن نموذجه هو العنيف، المقبل على اختيار حرية المعاناة بأوسع إقباله على الأرض والدم واللحظة المليئة، وما تخلقه هذه النزعة السلوكية لدى الآخرين، من تَحَدٍّ وميل إلى الانتقام، وقضاء على مثل هذا الفرد المتفوق، فكان أن قتله ملك الحيرة، كما هو معلوم، وأوصى هو ابنة أخيه بأن تنعيه بما هو أهل له، وكيف أن نصيبَه من تقدير الآخرين كان النُّكران والاضطهاد، حتى لم يستطع الرجال أن يعترفوا له بأية ميزة لا في الجرأة ولا الإقدام، ولا الصدق والإخلاص وأصالة المحتد. لقد كان موته إذن مُقدَّراً، وهو شاب مليء بتحدي الآخرين العقيمين، المُقعدين عن طلب العيش العميق الغنيّ. وكان قتله كذلك محتوماً. وفي هذا قال الشاعر بيته الشهير كخاتمة لمأساته الشخصية:
ستبدي لك الأيامُ ما كُنت جاهلاً- وَيَأتيكَ بالأخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزوِّد
اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات محاولين التعرف على الظروف الاجتماعية المحيطة بهم، والأسباب التي دفعتهم لنظمهم هذه المعلقات وعن أي موضوع تتحدث، فقد قال دبليو إى كلوستون عن معلقة طرفة في كتاب من تحريره وتقديمه عن الشعر العربي: يعود سبب نظم المعلقة إلى ضياع إبله وإبل أخيه. قال سي. دو بيرسيفال إن عمرو بن المرتضى، شيخ مدحه طرفة في معلقته قد أرسل إلى طرفة قائلاً إن الله وحده من يمنح الأبناء، لكن في الأمور الأخرى سيعامله كواحد من أبنائه. ثم أرسل الشيخ في طلب أبنائه السبعة وأحفاده الثلاثة وأمر كلاً منهم بتقديم عشرة جمال إلى الشاعر، وبذلك عوض خسارته التي لامه أخوه عليها.
أهم حدث في حياة طرفة القصيرة كان موته المأساوي. أرسل عمرو ملك الحيرة طرفة والمتلمس، شاعر مشهور أيضاً، ليرافقا أخاه الأصغر قابوس، الذي كان يحضره لخلافته. يبدو أن قابوس كان مدمناً على الشراب وكثيراً ما يكون ثملاً. هجاه الشاعران وهجيا الملك أيضاً. غضب عمرو بسبب هذه السخرية فأعطى كل واحد منهما رسالة إلى حاكم البحرين أمره فيها بقتل حاملها. شك المتلمس في نوايا الملك ففتح الرسالة وعرضها على صديق قرأها له. عندما علم بما جاء فيها مزقها ونصح طرفة بالعودة معه. لكن طرفة اعتقد أن قارىء الرسالة قد خدع صديقه فرفض الاستماع إلى النصيحة وأكمل رحلته المميتة. عند تسليم الرسالة قام حاكم البحرين بتنفيذ ما جاء فيها. قطع عمرو يدي ورجلي طرفه ودفنه حياً. كان طرفة في السادسة والعشرين عندما قضى.
وقالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن المعلقة في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: يعتقد أن هذه المعلقة أكثر انتظاماً في بنيتها من كل المعلقات الأخرى، .. من المؤكد أن مطلع معلقة طرفة انتحال من معلمه العظيم امرؤ القيس ولا يبرر أي جمال فكري خاص أو أسلوب بياني، الحكم على ما تبقى من القصيدة.
يروى أن طرفة كان يملك قطيعاً من الإبل مع أخيه معبد, وكانا يرعيانه بالتناوب. لكن طرفة كان مهملاً ومغرماً بنظم الشعر فلم يقم بمهمته مما أدى إلى شجار يشار إليه في المعلقة. حين لامه معبد قائلاً هل يستطيع شعره إرجاع الإبل إن ضاعت، أجاب طرفة بعناد بنعم ورفض الإصغاء. وكما توقع معبد ضاعت الجمال يوماً في عملية سطو، فذهب طرفة ليثبت صحة ادعائه إلى أصدقائه وأقاربه طالباً المساعدة لاسترجاع الإبل، وكان منهم ابن عمه مالك، الذي وبخه لكسله وحماقته، توبيخ، يقال إنه سبب نظم المعلقة. ويروى أيضاً إن أحداً لم يساعده ولم تستعاد الإبل، لكن طرفة استطاع تنفيذ ما وعد به، إذ أن شيخ قبيلة وهبه مئة جمل عوض الضائعة إثر مدح طرفة له في قصيدة.
في ما يخص تاريخ نظم المعلقة، قد يكون ذلك في العام 550 قبل الميلاد، ويقول البعض إنها كتبت في الأسابيع الأخيرة من حياته عندما كان سجيناً في البحرين، غير أن فحواها لا يدعم هذا الرأي. من الواضح أنها قصيدة شاب يافع يعاني من مشاكله البدوية الصغيرة وشجاره مع أقربائه. ولعها نظمت في الصحراء قبل لقائه عمرو بن هند في الحيرة. الأبيات الوحيدة التي تلمح للبحرين هي التي يقارن هوادج نساء قبيلته بالسفن. لكن هذا بعيد جداً عن الحكم النهائي. من المؤكد لو أنها نظمت في فترة متأخرة أن غضبه كان سينصب على عمرو، الذي ظلمه أكثر من ابن عمه مالك، كونه شاباً طائشاً.

معلقــة طرفهـ بن العــبد الشهــيرة :

لِخَـوْلَةَ أطْـلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَـدِ

تلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ

وُقُـوْفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُـمْ

يَقُـوْلُوْنَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَلَّـدِ

كَـأنَّ حُـدُوجَ المَالِكِيَّةِ غُـدْوَةً

خَلاَيَا سَفِيْنٍ بِالنَّوَاصِـفِ مِنْ دَدِ

عَدَوْلِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِيْنِ ابْنَ يَامِـنٍ

يَجُوْرُ بِهَا المَلاَّحُ طَوْراً ويَهْتَـدِي

يَشُـقُّ حَبَابَ المَاءِ حَيْزُومُهَا بِهَـا

كَمَـا قَسَمَ التُّرْبَ المُفَايِلَ بِاليَـدِ

وفِي الحَيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شَادِنٌ

مُظَـاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَـدِ

خَـذُولٌ تُرَاعِـي رَبْرَباً بِخَمِيْلَـةٍ

تَنَـاوَلُ أطْرَافَ البَرِيْرِ وتَرْتَـدِي

وتَبْسِـمُ عَنْ أَلْمَى كَأَنَّ مُنَـوَّراً

تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٍ لَهُ نَـدِ

سَقَتْـهُ إيَاةُ الشَّمْـسِ إلاّ لِثَاتِـهِ

أُسِـفَّ وَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بِإثْمِـدِ

ووَجْهٍ كَأَنَّ الشَّمْسَ ألْقتْ رِدَاءهَا

عَلَيْـهِ نَقِيِّ اللَّـوْنِ لَمْ يَتَخَـدَّدِ

وإِنِّي لأُمْضِي الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ

بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَلُوحُ وتَغْتَـدِي

أَمُـوْنٍ كَأَلْوَاحِ الإِرَانِ نَصَأْتُهَـا

عَلَى لاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُـدِ

جُـمَالِيَّةٍ وَجْنَاءَ تَرْدَى كَأَنَّهَـا

سَفَنَّجَـةٌ تَبْـرِي لأزْعَرَ أرْبَـدِ

تُبَارِي عِتَاقاً نَاجِيَاتٍ وأَتْبَعَـتْ

وظِيْفـاً وظِيْفاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعْبَّـدِ

تَرَبَّعْتِ القُفَّيْنِ فِي الشَّوْلِ تَرْتَعِي

حَدَائِـقَ مَوْلِىَّ الأَسِـرَّةِ أَغْيَـدِ

تَرِيْعُ إِلَى صَوْتِ المُهِيْبِ وتَتَّقِـي

بِذِي خُصَلٍ رَوْعَاتِ أَكْلَف مُلْبِدِ

كَـأَنَّ جَنَاحَيْ مَضْرَحِيٍّ تَكَنَّفَـا

حِفَافَيْهِ شُكَّا فِي العَسِيْبِ بِمِسْـرَدِ

فَطَوْراً بِهِ خَلْفَ الزَّمِيْلِ وَتَـارَةً

عَلَى حَشَفٍ كَالشَّنِّ ذَاوٍ مُجَدَّدِ

لَهَا فِخْذانِ أُكْمِلَ النَّحْضُ فِيْهِمَا

كَأَنَّهُمَـا بَابَا مُنِيْـفٍ مُمَـرَّدِ

وطَـيٍّ مَحَالٍ كَالحَنِيِّ خُلُوفُـهُ

وأَجـْرِنَةٌ لُـزَّتْ بِرَأيٍ مُنَضَّـدِ

كَأَنَّ كِنَـاسَيْ ضَالَةٍ يَكْنِفَانِهَـا

وأَطْرَ قِسِيٍّ تَحْتَ صَلْبٍ مُؤَيَّـدِ

لَهَـا مِرْفَقَـانِ أَفْتَلانِ كَأَنَّمَـا

تَمُـرُّ بِسَلْمَـي دَالِجٍ مُتَشَـدِّدِ

كَقَنْطَـرةِ الرُّوْمِـيِّ أَقْسَمَ رَبُّهَـا

لَتُكْتَنِفَـنْ حَتَى تُشَـادَ بِقَرْمَـدِ

صُهَابِيَّـةُ العُثْنُونِ مُوْجَدَةُ القَـرَا

بَعِيْـدةُ وَخْدِ الرِّجْلِ مَوَّارَةُ اليَـدِ

أُمِرَّتْ يَدَاهَا فَتْلَ شَزْرٍ وأُجْنِحَـتْ

لَهَـا عَضُدَاهَا فِي سَقِيْفٍ مُسَنَّـدِ

جَنـوحٌ دِفَاقٌ عَنْدَلٌ ثُمَّ أُفْرِعَـتْ

لَهَـا كَتِفَاهَا فِي مُعَالىً مُصَعَّـدِ

كَأَنَّ عُـلُوبَ النِّسْعِ فِي دَأَبَاتِهَـا

مَوَارِدُ مِن خَلْقَاءَ فِي ظَهْرِ قَـرْدَدِ

تَـلاقَى وأَحْيَـاناً تَبِيْنُ كَأَنَّهَـا

بَنَـائِقُ غُـرٍّ فِي قَمِيْصٍ مُقَـدَّدِ

وأَتْلَـعُ نَهَّـاضٌ إِذَا صَعَّدَتْ بِـهِ

كَسُكَّـانِ بُوصِيٍّ بِدَجْلَةَ مُصْعِـدِ

وجُمْجُمَـةٌ مِثْلُ العَـلاةِ كَأَنَّمَـا

وَعَى المُلْتَقَى مِنْهَا إِلَى حَرْفِ مِبْرَدِ

وَخَدٌّ كَقِرْطَاسِ الشَّآمِي ومِشْفَـرٌ

كَسِبْـتِ اليَمَانِي قَدُّهُ لَمْ يُجَـرَّدِ

وعَيْنَـانِ كَالمَاوِيَّتَيْـنِ اسْتَكَنَّتَـا

بِكَهْفَيْ حِجَاجَيْ صَخْرَةٍ قَلْتِ مَوْرِدِ

طَحُـورَانِ عُوَّارَ القَذَى فَتَرَاهُمَـا

كَمَكْحُـولَتَيْ مَذْعُورَةٍ أُمِّ فَرْقَـدِ

وصَادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّـرَى

لِهَجْـسٍ خَفيٍّ أَوْ لِصوْتٍ مُنَـدَّدِ

مُؤَلَّلَتَـانِ تَعْرِفُ العِتْـقَ فِيْهِمَـا

كَسَامِعَتَـي شَـاةٍ بِحَوْمَلَ مُفْـرَدِ

وأَرْوَعُ نَبَّـاضٌ أَحَـذُّ مُلَمْلَــمٌ

كَمِرْدَاةِ صَخْرٍ فِي صَفِيْحٍ مُصَمَّـدِ

وأَعْلَمُ مَخْرُوتٌ مِنَ الأَنْفِ مَـارِنٌ

عَتِيْـقٌ مَتَى تَرْجُمْ بِهِ الأَرْضَ تَـزْدَدِ

وَإِنْ شِئْتُ لَمْ تُرْقِلْ وَإِنْ شِئْتُ أَرْقَلَتْ

مَخَـافَةَ مَلْـوِيٍّ مِنَ القَدِّ مُحْصَـدِ

وَإِنْ شِئْتُ سَامَى وَاسِطَ الكَوْرِ رَأْسُهَا

وَعَامَـتْ بِضَبْعَيْهَا نَجَاءَ الخَفَيْـدَدِ

عَلَى مِثْلِهَا أَمْضِي إِذَا قَالَ صَاحِبِـي

ألاَ لَيْتَنِـي أَفْـدِيْكَ مِنْهَا وأَفْتَـدِي

وجَاشَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ خَوْفاً وَخَالَـهُ

مُصَاباً وَلَوْ أمْسَى عَلَى غَيْرِ مَرْصَـدِ

إِذَا القَوْمُ قَالُوا مَنْ فَتَىً خِلْتُ أنَّنِـي

عُنِيْـتُ فَلَمْ أَكْسَـلْ وَلَمْ أَتَبَلَّـدِ

أَحَـلْتُ عَلَيْهَا بِالقَطِيْعِ فَأَجْذَمَـتْ

وَقَـدْ خَبَّ آلُ الأمْعَـزِ المُتَوَقِّــدِ

فَذَالَـتْ كَمَا ذَالَتْ ولِيْدَةُ مَجْلِـسٍ

تُـرِي رَبَّهَا أَذْيَالَ سَـحْلٍ مُمَـدَّدِ

فَإن تَبغِنـي فِي حَلْقَةِ القَوْمِ تَلْقِنِـي

وَإِنْ تَلْتَمِسْنِـي فِي الحَوَانِيْتِ تَصْطَدِ

وَإِنْ يَلْتَـقِ الحَيُّ الجَمِيْـعُ تُلاَقِنِـي

إِلَى ذِرْوَةِ البَيْتِ الشَّرِيْفِ المُصَمَّـدِ

نَـدَامَايَ بِيْضٌ كَالنُّجُـومِ وَقَيْنَـةٌ

تَرُوحُ عَلَينَـا بَيْـنَ بُرْدٍ وَمُجْسَـدِ

رَحِيْبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رَقِيْقَـةٌ

بِجَـسِّ النُّـدامَى بَضَّةُ المُتَجَـرَّدِ

إِذَا نَحْـنُ قُلْنَا أَسْمِعِيْنَا انْبَرَتْ لَنَـا

عَلَـى رِسْلِهَا مَطْرُوقَةً لَمْ تَشَـدَّدِ

إِذَا رَجَّعَتْ فِي صَوْتِهَا خِلْتَ صَوْتَهَا

تَجَـاوُبَ أَظْـآرٍ عَلَى رُبَـعٍ رَدِ

وَمَـا زَالَ تَشْرَابِي الخُمُورَ وَلَذَّتِـي

وبَيْعِـي وإِنْفَاقِي طَرِيْفِي ومُتْلَـدِي

إِلَـى أنْ تَحَامَتْنِي العَشِيْرَةُ كُلُّهَـا

وأُفْـرِدْتُ إِفْـرَادَ البَعِيْـرِ المُعَبَّـدِ

رَأَيْـتُ بَنِـي غَبْرَاءَ لاَ يُنْكِرُونَنِـي

وَلاَ أَهْـلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ المُمَــدَّدِ

أَلاَ أَيُّها اللائِمي أَشهَـدُ الوَغَـى

وَأَنْ أَنْهَل اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِـدِي

فـإنْ كُنْتَ لاَ تَسْطِيْـعُ دَفْعَ مَنِيَّتِـي

فَدَعْنِـي أُبَادِرُهَا بِمَا مَلَكَتْ يَـدِي

وَلَـوْلاَ ثَلاثٌ هُنَّ مِنْ عَيْشَةِ الفَتَـى

وَجَـدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُـوَّدِي

فَمِنْهُـنَّ سَبْقِـي العَاذِلاتِ بِشَرْبَـةٍ

كُمَيْـتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالمَاءِ تُزْبِــدِ

وَكَرِّي إِذَا نَادَى المُضَافُ مُجَنَّبــاً

كَسِيـدِ الغَضَـا نَبَّهْتَـهُ المُتَـورِّدِ

وتَقْصِيرُ يَوْمِ الدَّجْنِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌ

بِبَهْكَنَـةٍ تَحْـتَ الخِبَـاءِ المُعَمَّـدِ

كَـأَنَّ البُـرِيْنَ والدَّمَالِيْجَ عُلِّقَـتْ

عَلَى عُشَـرٍ أَوْ خِرْوَعٍ لَمْ يُخَضَّـدِ

كَـرِيْمٌ يُرَوِّي نَفْسَـهُ فِي حَيَاتِـهِ

سَتَعْلَـمُ إِنْ مُتْنَا غَداً أَيُّنَا الصَّـدِي

أَرَى قَبْـرَ نَحَّـامٍ بَخِيْـلٍ بِمَالِـهِ

كَقَبْـرِ غَوِيٍّ فِي البَطَالَـةِ مُفْسِـدِ

تَـرَى جُثْوَنَيْنِ مِن تُرَابٍ عَلَيْهِمَـا

صَفَـائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيْحٍ مُنَضَّــدِ

أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفِـي

عَقِيْلَـةَ مَالِ الفَاحِـشِ المُتَشَـدِّدِ

أَرَى العَيْشَ كَنْزاً نَاقِصاً كُلَّ لَيْلَـةٍ

وَمَا تَنْقُـصِ الأيَّامُ وَالدَّهْرُ يَنْفَـدِ

لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَـى

لَكَالطِّـوَلِ المُرْخَى وثِنْيَاهُ بِاليَـدِ

فَمَا لِي أَرَانِي وَابْنَ عَمِّي مَالِكـاً

مَتَـى أَدْنُ مِنْهُ يَنْـأَ عَنِّي ويَبْعُـدِ

يَلُـوْمُ وَمَا أَدْرِي عَلامَ يَلُوْمُنِـي

كَمَا لامَنِي فِي الحَيِّ قُرْطُ بْنُ مَعْبَدِ

وأَيْأَسَنِـي مِنْ كُـلِّ خَيْرٍ طَلَبْتُـهُ

كَـأَنَّا وَضَعْنَاهُ إِلَى رَمْسِ مُلْحَـدِ

عَلَى غَيْـرِ شَيْءٍ قُلْتُهُ غَيْرَ أَنَّنِـي

نَشَدْتُ فَلَمْ أَغْفِلْ حَمَوْلَةَ مَعْبَـدِ

وَقَـرَّبْتُ بِالقُرْبَـى وجَدِّكَ إِنَّنِـي

مَتَـى يَكُ أمْرٌ للنَّكِيْثـَةِ أَشْهَـدِ

وإِنْ أُدْعَ للْجُلَّى أَكُنْ مِنْ حُمَاتِهَـا

وإِنْ يِأْتِكَ الأَعْدَاءُ بِالجَهْدِ أَجْهَـدِ

وَإِنْ يِقْذِفُوا بِالقَذْعِ عِرْضَكَ أَسْقِهِمْ

بِكَأسِ حِيَاضِ المَوْتِ قَبْلَ التَّهَـدُّدِ

بِلاَ حَـدَثٍ أَحْدَثْتُهُ وكَمُحْـدَثٍ

هِجَائِي وقَذْفِي بِالشَّكَاةِ ومُطْرَدِي

فَلَوْ كَانَ مَوْلايَ إِمْرَأً هُوَ غَيْـرَهُ

لَفَـرَّجَ كَرْبِي أَوْ لأَنْظَرَنِي غَـدِي

ولَكِـنَّ مَوْلايَ اِمْرُؤٌ هُوَ خَانِقِـي

عَلَى الشُّكْرِ والتَّسْآلِ أَوْ أَنَا مُفْتَـدِ

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً

عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ

فَذَرْنِي وخُلْقِي إِنَّنِي لَكَ شَاكِـرٌ

وَلَـوْ حَلَّ بَيْتِي نَائِياً عِنْدَ ضَرْغَـدِ

فَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بنَ خَالِدٍ

وَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْروَ بنَ مَرْثَدِ

فَأَصْبَحْتُ ذَا مَالٍ كَثِيْرٍ وَزَارَنِـي

بَنُـونَ كِـرَامٌ سَـادَةٌ لِمُسَـوَّدِ

أَنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الَّذِي تَعْرِفُونَـهُ

خَشَـاشٌ كَـرَأْسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّـدِ

فَـآلَيْتُ لا يَنْفَكُّ كَشْحِي بِطَانَـةً

لِعَضْـبِ رَقِيْقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّـدِ

حُسَـامٍ إِذَا مَا قُمْتُ مُنْتَصِراً بِـهِ

كَفَى العَوْدَ مِنْهُ البَدْءُ لَيْسَ بِمِعْضَدِ

أَخِـي ثِقَةٍ لا يَنْثَنِي عَنْ ضَرِيْبَـةٍ

إِذَا قِيْلَ مَهْلاً قَالَ حَاجِزُهُ قَـدِي

إِذَا ابْتَدَرَ القَوْمُ السِّلاحَ وجَدْتَنِـي

مَنِيْعـاً إِذَا بَلَّتْ بِقَائِمَـهِ يَـدِي

وَبَرْكٍ هُجُوْدٍ قَدْ أَثَارَتْ مَخَافَتِـي

بَوَادِيَهَـا أَمْشِي بِعَضْبٍ مُجَـرَّدِ

فَمَرَّتْ كَهَاةٌ ذَاتُ خَيْفٍ جُلالَـةٌ

عَقِيْلَـةَ شَيْـخٍ كَالوَبِيْلِ يَلَنْـدَدِ

يَقُـوْلُ وَقَدْ تَرَّ الوَظِيْفُ وَسَاقُهَـا

أَلَسْتَ تَرَى أَنْ قَدْ أَتَيْتَ بِمُؤَيَّـدِ

وقَـالَ أَلا مَاذَا تَرَونَ بِشَـارِبٍ

شَـدِيْدٌ عَلَيْنَـا بَغْيُـهُ مُتَعَمِّـدِ

وقَـالَ ذَروهُ إِنَّمَـا نَفْعُهَـا لَـهُ

وإلاَّ تَكُـفُّوا قَاصِيَ البَرْكِ يَـزْدَدِ

فَظَـلَّ الإِمَاءُ يَمْتَلِـلْنَ حُوَارَهَـا

ويُسْغَى عَلَيْنَا بِالسَّدِيْفِ المُسَرْهَـدِ

فَإِنْ مُـتُّ فَانْعِيْنِـي بِمَا أَنَا أَهْلُـهُ

وشُقِّـي عَلَيَّ الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَـدِ

ولا تَجْعَلِيْنِي كَأَمْرِىءٍ لَيْسَ هَمُّـهُ

كَهَمِّي ولا يُغْنِي غَنَائِي ومَشْهَـدِي

بَطِيءٍ عَنْ الجُلَّى سَرِيْعٍ إِلَى الخَنَـى

ذَلُـولٍ بِأَجْمَـاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّـدِ

فَلَوْ كُنْتُ وَغْلاً فِي الرِّجَالِ لَضَرَّنِي

عَـدَاوَةُ ذِي الأَصْحَابِ والمُتَوَحِّـدِ

وَلَكِنْ نَفَى عَنِّي الرِّجَالَ جَرَاءَتِـي

عَلَيْهِمْ وإِقْدَامِي وصِدْقِي ومَحْتِـدِي

لَعَمْـرُكَ مَا أَمْـرِي عَلَـيَّ بُغُمَّـةٍ

نَهَـارِي ولا لَيْلِـي عَلَيَّ بِسَرْمَـدِ

ويَـوْمٍ حَبَسْتُ النَّفْسَ عِنْدَ عِرَاكِـهِ

حِفَاظـاً عَلَـى عَـوْرَاتِهِ والتَّهَـدُّدِ

عَلَى مَوْطِنٍ يَخْشَى الفَتَى عِنْدَهُ الرَّدَى

مَتَى تَعْتَـرِكْ فِيْهِ الفَـرَائِصُ تُرْعَـدِ

وأَصْفَـرَ مَضْبُـوحٍ نَظَرْتُ حِـوَارَهُ

عَلَى النَّارِ واسْتَوْدَعْتُهُ كَفَّ مُجْمِـدِ

سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِـلاً

ويَأْتِيْـكَ بِالأَخْبَـارِ مَنْ لَمْ تُـزَوِّدِ

وَيَأْتِيْـكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تَبِعْ لَـهُ

بَتَـاتاً وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ وَقْتَ مَوْعِـدِ





تمت ولله الحمد


اتمنى لكم طيب القراءه والفائده

وعذرا ع الاطاله ,,,

على النيه 05-09-2010 11:08 PM

عقاب النهار

الشكر لجمال اطلالتك الرااقيه
ثنائك محل امتنان
لروحك نقاء ياسمينه

على النيه 05-09-2010 11:09 PM

حمدان سليمان

الشكر لجمال اطلالتك الرااقيه
ثنائك محل امتنان


وبأنتظار عودتك
لروحك نقاء ياسمينه

على النيه 05-09-2010 11:10 PM

غريبة الروح

الشكر لجمال اطلالتك الرائعه
امتناني لكِ يالغلا
لروحكِ نقاء ياسمينه

ملامح 05-22-2010 06:56 AM

رائــــع غلاتي وهام ماطرحتيهـ.. يافديت

حسن وروعة وإفادة ماتطرحين يالغلا

مشكورهـ ولا تحرمينا من جديدكِ دائمآ.

" آلـ جــود " 05-22-2010 10:43 AM


طرح رآئع تشكرين عليه

دمتِ ودآم تميزك يالغاليه

على النيه 05-22-2010 02:33 PM

ملامح الغاليه

أهلآ بكِ وبجمال حضووركِ وفديت ذووقك يالغلاا
ثنائك محل امتنان
لروحك نقاء ياسمينه

على النيه 05-22-2010 02:34 PM

نائبة القمر

أهلآ بكِ وبجمال حضووركِ
ثنائك محل امتنان
لروحك نقاء ياسمينه

هـــايـــدي 05-22-2010 11:23 PM



[align=right]


ما شاء الله موضوع آكثر من رائع !!
حسب ما درسناها بالآدب ،،
آنها كتبت بماء الذهب وعلقت بالكعبة ،،
بس الغريب آختلاف آرائهم حول المعنى وتعليقها ؟؟
وكنت أضن أنو عددها 7 ،،

" على النية "
يعطيك العافية ع الطرح القيم
كل الشكر !!
[/align]







على النيه 05-23-2010 01:20 AM

هايدي

أهلآ بكِ وبجمال حضووركِ
وصحيح حتى انا كنت اظن انه سبعه وهي عشره
ثنائك محل امتنان
لروحك نقاء ياسمينه

حمدان سليمان 06-24-2010 04:24 PM

عز الله كفيتي و وفيتي مرااقبتنا الراااقيه
على النيه

تسلم ايدك ويعطيك العافيه كلمة شكر قليله
امام هذاا العطااء

ولكن

/

- أضيف لموضوعك المعلقات صوتيه :
ومـن يــريــد الأســتــمـــــــااااع
مجرد الضغط على الاسم
يشتغل المقطع :

،




، ، ،


، ، ،


، ، ،


، ، ،



، ،

،


***


تقديري وآحترامي
و
بحفظ الرحمن


بن عدواان 06-25-2010 12:15 AM

اشكرك واشكر من ااضاف للفايده
شاكرك على النيه

على النيه 06-25-2010 04:50 PM

حمدان سليمان
أهلآ بك وبجمال حضوورك وامتناني
للأضافه الرائعه جدا والتي اضافت للموضوع
الشيء الكثير ..
سلمت اناملك وسلم فكرك الراقي ..
لروحك نقاء ياسمينه

ودمت بعطائك الجميل ..

على النيه 06-25-2010 04:51 PM

ابن عدوان
شاكره لك روعة حضورك هنا
ثنائك محل امتنان
لروحك نقاء ياسمينه

.. E x i t !! 06-26-2010 12:36 PM

معلومآت رآئع’ـه ..
وطرح آرووع .. تسلم هآلآيديــن ~

الفيصل نـت 06-26-2010 12:46 PM

بارك الله فيك
يعطيك الف عافيه
علي المعلومات الرائعه


الساعة الآن 09:18 PM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010

mamnoa 5.0 by Abdulrahman Al-Rowaily