لا شيء أوجع من
كلماتٍ قيلت في لحظةِ غضب،
ثم تُركت لتصير خرائطنا.
كأن الانفعال امتلك قلمًا
ورسم به ملامحنا إلى الأبد.
تخيّل أن تمشي
ووجهك ليس وجهك،
بل صدى جملةٍ طائشة،
أن تُعرَف بما لم تقصده،
وأن تحمل على كتفيك
تاريخَ لحظةٍ
لم تمنحك حقّ التفسير.
لا شيء أوجع من أن تُحسن الظنّ بصدق،
ثم تكتشف أن صدقك لا يكفي وحده ليحميك من سوء الفهم.
أن تمدّ يدك بمعنى نظيف،
فتعود إليك اليد ذاتها
وكأنها أخطأت… لا كأنها أحسنت.
لا شيء أوجع من أن تُقدّم تقديرًا،
وتقصد به الرفع لا الإلزام،
الاحتفاء لا التكليف،
ثم يُستقبل كأنه عبء،
ويُردّ بطريقة
لا تجرح الفعل فقط،
بل تجرح صاحبه وهو واقف.
لا شيء أوجع من أن تصمت احترامًا،
فيُفسَّر صمتك قسوة.
وأن تبتعد حمايةً لنفسك،
فيُقال إنك تهرب.
وكأن الناس تريد منك أن تدفع الثمن مرتين:
مرة حين تؤلمك الطريقة،
ومرة حين تختار المسافة لتتداوى.
لا شيء أوجع من العودة دون فهم.
أن يطلب منك الزمن أن تعود “كما كنت”
بينما شيءٌ في داخلك تغيّر.
ليس لأنك صرت أقل ودًّا،
بل لأنك صرت أكثر وعيًا؛
الوعي يوجع… لكنه ينقذ.
لا شيء أوجع من أن يتحوّل الجميل إلى حجةٍ ضدك،
ومن أن يصبح الإحسان “قصة” يرويها الآخرون كما يريدون،
لا كما حدثت.
فيُختصر الموقف في نصف صورة،
وتُترك نصف الحقيقة في الظل،
ثم يُطلب منك أن تبتسم
كي لا تُتَّهم بالتعقيد.
لا شيء أوجع من أن يكون العدل بسيطًا جدًا…
ثم لا يحدث.
أن تحتاج كلمة واحدة تُعيد للمعنى اعتباره،
فتُستبدل الكلمات كلها بتلميحات،
وبحكايات عامة،
وبأسئلة لا تريد جوابًا
قدر ما تريد صدى.
ومع ذلك…
لا شيء أصدق من أن تعترف لنفسك:
أنا لست ملزمًا أن أكون المكان الذي يُرمَّم فيه الآخرون
على حسابي.
ولست ملزمًا أن أعود إلى مسافةٍ
لم تُحترم فيها نواياي،
ولا أن أكرر الشرح
لمن لم يرَ المعنى من المرة الأولى.
لهذا، حين أقول “لا شيء أوجع من…”
فأنا لا أطلب شفقة،
ولا أفتح بابًا،
ولا أكتب انتقامًا.
أنا فقط أضع الحقيقة في مكانها:
أن بعض الكسور لا تُصلحها الأيام وحدها،
بل يصلحها الفهم.
وحين يغيب الفهم…
تصبح المسافة أعدل قرار.