دخلت المكان نفسه، وتركت على الطاولة شيئًا واحدًا يسمّيه القلب: “خريطة الرجوع”. ورقة كبيرة مرسوم فيها البيت من الداخل، وكل زاوية تحولت إلى محطة حنين. كتبت عند المدخل: هنا ندخل خفافًا من الهمّ. عند الشباك: هنا نتبادل أخبار النهار بلا مبالغة. عند ركن القهوة: هنا تُحلّ أعقد العقد برشفة. وعند الباب الخلفي: هنا يخرج التعب وحده ويتركنا.
وتحت الخريطة تركت “ساعة رملية” صغيرة، قلبتها وقلت: من يقلبها بعدي يكتب سطرًا قبل أن ينتهي الرمل. إذا انتهى الرمل ولم نكتب، قلبناها من جديد، فالفكرة في أن نبقى نقلب الوقت حتى نتكلم بصدق.
وعلى الجدار علّقت “خيط رجعة” ممتدًا من مسمار إلى مسمار. طلبت من كل واحد يعود أن يربط عليه عُقدة صغيرة ويكتب فوقها حرفًا من اسمه. لا نريد لوحات كثيرة، نريد خيطًا واحدًا يزدحم بالعُقد، فتعرف الجدران أننا لم ننقطع حقًّا، كنا نلتف نحو بعضنا بطرقٍ أخرى.
ومقابل الخيط وضعت دفتراً أسميته “دفتر الأصوات”. لا يحتاج فصاحة، ولا يحترف البلاغة. كل من يمر يكتب صوته كما هو:
“ضحكة قصيرة”، “الحمدلله مرّ عليّ يوم متعب”، “دعوة لفلان”، “اعتذار بلا شرح”، “اشتياق بلا أسماء”. الدفتر لا يراجع ولا يصحح، يتسع فقط.
وفي الركن الأخير خبّأت “مفتاحًا لا يفتح إلا القلوب”. كتبّت تحته: إذا دخلت وفي قلبك شيء، قرّبه من المفتاح وقل سلامًا. لا أريد أن أعرف الحكاية، يكفيني أن السلام وقع في قلبك ثم وقع اسمه على هذه الديوانية.
قبل أن أخرج كتبت سطرًا عند الذهاب: “إذا جئتَ ولم تجدنا، فاقرأ بصوتٍ مسموع: السلام علينا وعلى أصحابنا هنا. سيعود واحدٌ منا على الأقل ليرد السلام، ولو كان المكان كله نائمًا.” ثم سحبت الباب على مهل، وتركت الساعة الرملية تمشي، والخريطة تلمع، والخيط ينتظر عقدة جديدة تحمل اسمًا تعرفه الجدران قبل العيون
أعود لـ اعماقي، فأجدك مهما أطلت السفر وسكنت القوة ملامح واقعي، أعود لك مشتاقة لضعفي أمامك، كغريب يعود زائرا لوطنه، اعود للضمأ للإشتياق وللألم لأننا لو لا الألم والمشاعر والشعور لكنا كالحجارة لا تكسرها شدة الضرب ولا تحركها العواصف
يا ديوانية “بعد حيي”…
أعرفكِ من رائحة القهوة قبل العناوين، ومن ضحكةٍ تُرمَّم بها الأيام بلا شرح.
هنا لا نأتي لنملأ الوقت… بل لنستعيد بعضنا من زحام الدنيا.
مرّوا ولو بسطرٍ واحد؛ فالسطر الطيب يفتح بابًا، ويترك في المكان أثرًا يشبه أهله.
صباحكم ودّ… وحكاية تنتظر أن تُقال
ربما نقول ما بداخلنا
لكن بطريقة أرقى
تحفظها الود
وتصل إلى المعنى
دون خدش قلب أحد..
حتى عتابنا لا يسمع لكنه يقال بكل نظرة..
لم يكن الصمت سوى كلام مؤجل نسينا قوله ولم يعد مهمًا.
هُناك نضوجٌ يأتيك
عندما تكتشف أن السلام ليس مكاناً
السلامُ " قرار "..
قرارٌ أن لا تَرُد، أن لا تَشرح، أن لا تُثبت، أن لا تركُض.
لأجلِ هدوءك، انسحب من الفوضى باحترام .
صباحكم ود
العبرة بمن يُزين لك صورتك
ليضعها جميلة مُبهرة فوق حائط رَوحك
لِتعود إنساناً آخر كاد أن يقع
ولكنه وجد المتكـيء