حين قلتها، كنت أعلم أنَّ الكلام لا يكفي لوصف ذلك التناقض،
كيف يمكن للإنسان أن يجد وطنًا في قلبه،
ثم يشعر وكأنَّ من يحبّ هو نفسه منفى؟
لكن هذا ما يحدث أحيانًا،
بينما نبحث عن الأمان، نجد أنَّنا محاصرون في أقدارنا،
نحن في الوطن الذي يصنعه القلب،
وفي المنفى الذي يقيدنا به الحب.
“لقيت في قلبي وطن”
هو المكان الذي نلجأ إليه كلما ضاقت بنا الحياة،
هو تلك المساحة التي لا يعرفها أحد سوانا،
حيث لا أحد يقيم أو يرحل.
ولكن… “لقيت بك منفى”
يعني أنني أعشقك لدرجة تجعلني أحتاج أن أهرب منك،
أهرب إلى مكانٍ بعيد، بعيد عن حاجتي إليك،
لأني كلما اقتربت، شعرتُ أنَّني أغرق فيك أكثر.
أنَّك تصبح المدى الذي لا أستطيع الوصول إليه،
والوقت الذي لا أستطيع إيقافه.
أين يمكنني أن أذهب حينما أجد كل شيء فيك؟
أين المفرّ إذا كنت أنت الوطن،
وأنت المنفى في ذات الوقت
لقيت في قلبي وطن…
حين ضاقت الأرض، تمددت بداخلي.
كل ركن في صدري كنتِ أنتِ فيه:
ضحكتك على الشريان الأيسر،
وخجلك بين أضلعي،
وذلك الحزن الذي لا يشيخ… اتخذ من دمي سكنًا.
كنت الوطن الذي لا يعترف بالجغرافيا،
ولا يسأل عن أوراق الهوية…
أحببتك لأنك لم تكوني شيئًا من الخارج… كنتِ الداخل كلّه.
ثم التفتّ إليك يومًا…
فلم أجدك إلا منفى.
صوتك يُبعدني عن نفسي،
وصمتك يطردني من حلمي،
وكل محاولاتي للبقاء… كانت تُقابل بالجفاء.
غادرتني وأنتِ في مكانك،
كما يفعل المنفى باللاجئ:
يمنحه الخبز… ويحرمه الدفء..
ما أقسى أن تجد في ذاتك وطنًا…
ثم تفقده في من ظننت أنه الأمان.
هنالك لحظة غريبة،
حين يكتشف المرء أن “الذين نحبهم”
هم أكثر من يجعلنا نبحث عن حدود جديدة للهرب.
كيف يتحول القلب من وطنٍ دافئ،
إلى غرفة حجر صحي لا يُسمع فيها إلا صوت أنفاسنا المتعبة؟
كيف يصبح الذي احتضننا… هو سبب المنفى؟
لا منفى الجسد، بل منفى الروح،
حيث لا لغة تفهمك، ولا عين تُبقيك، ولا حضن يحتويك إلا الورق.
“لقيت في قلبي وطن…”
لأنني كنت أزرع فيه كل حنيني… كل طيبتي… كل ما بقي مني.
لكن حين أتيت أنت،
تغيّرت الخريطة،
وأصبحت أنا المُلاحَق في أرضي
.
.
كنتُ في سويداءِ قلبكِ دارًا،
فتُّ بغيابكَ غريبًا بين الأطلالِ
وجدت فيكِ الوطن الذي لا تُرفع فيه أعلام سواكِ،
والمرفأ الذي ترسو عنده كل سفني بلا خوف ولا ضياع.
معكِ، سقطت حدود الأرض،
وتهدمت كل أسوار الغربة،
وصرتُ أعيش في سيادة حبّكِ،
ملكًا لا ينحني إلا لعينيكِ.
أنتِ المنفى الذي أختاره طوعًا،
لأهرب من ضجيج العالم،
وأحتمي في ظلكِ،
وأُحكم إغلاق أبوابي على حضوركِ وحدكِ.
معكِ، صارت حياتي إعلان ولاء،
وعهدي الذي لا يُكسر:
أنكِ الوطن الأخير، والمنفى الجميل،
والسيادة المطلقة التي لا ينازعكِ فيها أحد،
ولا يُذكر بعدها اسم ولا عنوان