لا شيء يربكني أكثر من صمت المساء حين يغدو ثقيلاً على صدري، وكأن النجوم تراقبني بعينٍ لا ترمش، تتساءل عن ذلك الشرود الممتد في ملامحي. هناك في أعماقي شيءٌ يشبه الطرقات الخالية، يشبه الأبواب التي أوصدت قبل أن أصل، يشبه الغياب حين يفرض نفسه بلا استئذان.
أنا الغريب في مملكتي، أبحث عن ملامحي في انعكاسات النافذة، فلا أجد سوى ظلٍ يتلاشى مع ضوء مصباح الشارع البعيد. أفتح نافذتي لأتنفس المدينة، لكنني لا أجد سوى هواءٍ محمّلٍ بأنفاس من عبروا من هنا وتركوا خلفهم أسرارًا لا تحكى.
الوقت يمضي، والليل يطول، وأنا لا أملك سوى قلمي وورقة بيضاء لم تخنني يومًا. أكتبُ لأتأكد أنني ما زلتُ هنا، أنني لم أتحوّل بعد إلى مجرد ذكرى أخرى بين ذكريات الآخرين.
أنا هنا لأفجر الصمت بكلمات، ولكني لن أضمن ماسيحدث بعدها..!
في خواطرنا كلام لو نطقناه لاهتزّت له القلوب، ولو كتمناه صار ثقيلاً كجبل على الصدر. هو بين الرجاء والخوف، بين الحنين والصمت، بين ما نريده وما يمنعنا عنه الكبرياء.
في خواطرنا اعترافات تأبى أن تُقال، وأشواق تتوه بين الحروف، ونداءات لا تصل إلا عبر نبضٍ يتسارع كلما خطرت ببالنا تلك الأسماء التي تسكن القلب ولا تغادر..