الفصل الأوَّلُ : معنى العقيدة ، وبيان أهميتها ؛ باعتبارها أساسًا يقوم عليه بناء الدين .
الفصل الثَّاني : مصادر العقيدة الصحيحة ، ومنهج السَّلف في تلقيها .
الفصل الثالثُ : الانحرافُ عن العقيدة ، وسُبلُ التّوقِّي منه .
الفصل الأول
في بيان العقيدة وبيان أهميتها باعتبارها أساسًا يقوم عليه بناء الدين
العقيدة لغة : مأخوذة من العقد وهو ربط الشيء ، واعتقدت كذا : عقدت عليه القلب والضمير . والعقيدة : ما يدين به الإنسان ، يقال : له عقيدة حسنة ، أي : سالمةٌ من الشك . والعقيدةُ عمل قلبي ، وهي إيمانُ القلب بالشيء وتصديقه به .
والعقيدةُ شرعًا : هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والإيمان بالقدر خيره وشره ، وتُسمَّى هذه أركانُ الإيمان .
والشريعة تنقسم إلى قسمين : اعتقاديات وعمليات :
فالاعتقاديات : هي التي لا تتعلق بكيفية العمل ، مثل اعتقاد ربوبية الله ، ووجوب عبادته ، واعتقاد بقية أركان الإيمان المذكورة ، وتُسمَّى أصلية .
والعمليات : هي ما يتعلق بكيفية العمل مثل الصلاة والزكاة والصوم وسائر الأحكام العملية ، وتسمى فرعية ؛ لأنها تبنى على تلك صحة وفسادًا .
فالعقيدةُ الصحيحةُ هي الأساسُ الذي يقوم عليه الدين ، وتَصحُّ معه الأعمال ، كما قال تعالى : فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا .
وقال تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .
وقال تعالى : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ .
فدلّت هذه الآيات الكريمة ، وما جاء بمعناها ، وهو كثير ، على أن الأعمال لا تُقبلُ إلا إذا كانت خالصة من الشرك ، ومن ثَمَّ كان اهتمام الرسل - صلواتُ الله وسلامه عليهم - بإصلاح العقيدة أولًا ، فأول ما يدعون أقوامهم إلى عبادة الله وحده ، وترك عبادة ما سواه ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ .
وقد بقي النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة بعد البعثة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى التوحيد ، وإصلاح العقيدة ؛ لأنها الأساسُ الذي يقوم عليه بناءُ الدين . وقد احتذى الدعاة والمصلحون في كل زمان حذو الأنبياء والمرسلين ، فكانوا يبدءون بالدعوة إلى التوحيد ، وإصلاح العقيدة ، ثم يتجهون بعد ذلك إلى الأمر ببقية أوامر الدين .
الفصل الثاني
في بيان مصادر العقيدة ومنهج السلف في تلقيها
العقيدة توقيفية ؛ فلا تثبت إلا بدليل من الشارع ، ولا مسرح فيها للرأي والاجتهاد ، ومن ثَمَّ فإن مصادرها مقصورة على ما جاء في الكتاب والسنة ؛ لأنه لا أحد أعلمُ بالله وما يجب له وما ينزه عنه من الله ، ولا أحد بعد الله أعلمُ بالله من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهذا كان منهج السلف الصالح ومن تبعهم في تلقِّي العقيدة مقصورًا على الكتاب والسنة .
فما دلّ عليه الكتاب والسنة في حق الله تعالى آمنوا به ، واعتقدوه وعملوا به . وما لم يدل عليه كتاب الله ولا سنة رسوله نفَوْهُ عن الله تعالى ورفضوه ؛ ولهذا لم يحصل بينهم اختلاف في الاعتقاد ، بل كانت عقيدتهم واحدة ، وكانت جماعتهم واحدة ؛ لأن الله تكفّل لمن تمسك بكتابه وسنة رسوله باجتماع الكلمة ، والصواب في المعتقد واتحاد المنهج ، قال تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا .
وقال تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى .
ولذلك سُمُّوا بالفرقة الناجية ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شهد لهم بالنجاة حين أخبر بافتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، ولما سئل عن هذه الواحدة قال : هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي .
وقد وقع مصداق ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - فعندما بنى بعض الناس عقيدتهم على غير الكتاب والسنة ، من علم الكلام ، وقواعد المنطق الموروثَيْن عن فلاسفة اليونان ؛ حصل الانحرافُ والتفرق في الاعتقاد مما نتج عنه اختلافُ الكلمة ، وتفرُّقُ الجماعة ، وتصدع بناء المجتمع الإسلامي .
الفصل الثالث
في بيان الانحرافِ عن العقيدة وسبل التوقي منه
الانحراف عن العقيدة الصحيحة مهلكة وضياع ؛ لأن العقيدة الصحيحة هي الدافع القوي إلى العمل النافع ، والفرد بلا عقيدة صحيحة يكون فريسة للأوهام والشكوك التي ربما تتراكم عليه ، فتحجب عنه الرؤية الصحيحة لدروب الحياة السعيدة ؛ حتى تضيق عليه حياته ، ثم يحاول التخلص من هذا الضيق بإنهاء حياته ولو بالانتحار ، كما هو الواقع من كثير من الأفراد الذين فقدوا هداية العقيدة الصحيحة .
والمجتمع الذي لا تسوده عقيدة صحيحة هو مجتمع بهيمي يفقد كل مقومات الحياة السعيدة ؛ وإن كان يملك الكثير من مقومات الحياة المادية التي كثيرًا ما تقوده إلى الدمار ، كما هو مشاهد في المجتمعات الكافرة ؛ لأن هذه المقومات المادية تحتاج إلى توجيه وترشيد ؛ للاستفادة من خصائصها ومنافعها ، ولا موجه لها سوى العقيدة الصحيحة ؛ قال تعالى : يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا .
فقوة العقيدة يجب أن لا تنفك عن القوة المادية ؛ فإن انفكت عنها بالانحراف إلى العقائد الباطلة ، صارت القوة المادية وسيلة دمار وانحدار ؛ كما هو المشاهد اليومَ في الدول الكافرة التي تملكُ مادة ، ولا تملك عقيدة صحيحة .
والانحراف عن العقيدة الصحيحة له أسباب تجب معرفتها ، من أهمها :
1 - الجهل بالعقيدة الصحيحة ؛ بسبب الإعراض عن تعلمها وتعليمها ، أو قلة الاهتمام والعناية بها ؛ حتى ينشأ جيلٌ لا يعرفُ تلك العقيدة ، ولا يعرف ما يخالفها ويضادها ؛ فيعتقد الحق باطلًا ، والباطل حقًّا ، كما قالَ عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - : " إنما تُنقضُ عُرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرفُ الجاهلية " .
2 - التّعصُّبُ لما عليه الآباء والأجداد ، والتمسك به وإن كان باطلًا ، وترك ما خالفه وإن كان حقًّا ؛ كما قال الله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ .
3 - التقليدُ الأعمى بأخذ أقوال الناس في العقيدة من غير معرفة دليلها ، ومعرفة مدى صحتها ، كما هو الواقعُ من الفرقِ المخالفة من جهمية ومعتزلة ، وأشاعرة وصوفية ، وغيرهم ، حيثُ قلدوا من قبلهم من أئمة الضلال ؛ فضلوا وانحرفوا عن الاعتقاد الصحيح .
4 - الغُلُو في الأولياء والصالحين ، ورفعهم فوق منزلتهم ؛ بحيث يُعتقد فيهم ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع ، ودفع الضر ، واتخاذهم وسائط بين الله وبين خلقه في قضاء الحوائج وإجابة الدعاء ؛ حتى يؤول الأمر إلى عبادتهم من دون الله ، والتقرب إلى أضرحتهم بالذبائح والنذور ، والدعاء والاستغاثة وطلب المدد ، كما حصل من قوم نوح في حق الصالحين حين قالوا : لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا .
وكما هُوَ الحاصلُ من عبَّاد القُبور اليومَ في كثير من الأمصار .
5 - الغفلة عن تدبر آيات الله الكونية ، وآيات الله القرآنية ، والانبهار بمعطيات الحضارة المادية ؛ حتى ظنوا أنها من مقدور البشر وحده ؛ فصاروا يُعظِّمون البشر ، ويضيفون هذه المعطيات إلى مجهوده واختراعه وحده ، كما قال قارون من قبلُ : قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي وكما يقول الإنسان هَذَا لِي ، إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ .
ولم يتفكروا وينظروا في عظمة من أوجد هذه الكائنات ، وأودعها هذه الخصائص الباهرة ، وأوجد البشر وأعطاهُ المقدرةَ على استخراج هذه الخصائص ، والانتفاع بها : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ .
6 - أصبح البيتُ في الغالب خاليًا من التوجيه السليم ؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه [ أخرجه الشيخان ] ، فالأبوان لهما دور كبير في تقويم اتجاه الطفل .
7 - إحجامُ وسائل التعليم والإعلام في غالب العالم الإسلامي عن أداء مهمتها ، فقد أصبحت مناهج التعليم في الغالب لا تولي جانب الدين اهتمامًا كبيرًا ، أو لا تهتم به أصلًا ، وأصبحت وسائلُ الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في الغالب أداة تدمير وانحراف ، أو تعنى بأشياء مادية وترفيهية ، ولا تهتم بما يُقَوِّمُ الأخلاق ، ويزرع العقيدة الصحيحة ، ويقاوم التيارات المنحرفة ؛ حتى ينشأ جيلٌ أعزلُ أمام جيوش الإلحاد لا يدان له بمقاومتها .
وسبل التّوقِّي في هذا الانحراف تتلخص فيما يلي :
1 - الرجوع إلى كتاب الله عزَّ وجلَّ ، وإلى سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لتلقِّي الاعتقاد الصحيح منهما ، كما كان السلف الصالح يستمدون عقيدتهم منهما ، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، مع الاطلاع على عقائد الفرق المنحرفة ، ومعرفة شُبههم للرد عليها والتحذير منها ؛ لأن من لا يعرف الشر يوشك أن يقع فيه .
2 - العناية بتدريس العقيدة الصحيحة - عقيدة السلف الصالح - في مختلف المراحل الدراسية ، وإعطاؤها الحصص الكافية من المنهج ، والاهتمام البالغ في تدقيق الامتحانات في هذه المادة .
3 - أن تُقرر دراسةُ الكُتبِ السَّلفية الصافية ، ويبتعد عن كتب الفرق المنحرفة ، كالصوفية والمبتدعة ، والجهمية والمعتزلة ، والأشاعرة والماتوريدية ، وغيرهم إلا من باب معرفتها لرد ما فيها من الباطل والتحذير منها .
4 - قيام دعاة مصلحين يجددون للناس عقيدة السلف ، ويردون ضلالات المنحرفين عنها .