هناك أناس لا يمكن أن يعيشوا إلا إذا اقتاتوا على الكذب، انه يجري في عروقهم مجرى الدم، بل أنهم يتلذذون به، واقرأوا معي معاناة تلك الشابة التي لم يمض على زواجها غير عامين، عندما اكتشفت (هواية) زوجها بالكذب وهما في شهر العسل، وتقول: انه يطلق الكذبة مهما كانت واضحة التلفيق ثم لا يفكر حتى في تبريرها.
ورغم أن ذلك الزوج تخرج من التجارة، فهو أوهمها انه تخرج من الحقوق، وكذب عليها بثمن خاتم الخطوبة، رغم أنها لا يهمها الثمن.. وهو شاب غني ورث عن والده مخابز ومعامل للحلوى، عندما سافر معها إلى باريس وسكنا في احد الفنادق الفخمة ادعى أن مالك الفندق صديق شخصي له، وبما أن حبل الكذب قصير، فقد تواجها صدفة مع مالك الفندق واتضح انه لم يشاهده طوال حياته، وعندما ذهبا إلى لندن حدثها عن الملياردير محمد الفايد وعن علاقته الحميمة معه، وأنها تستطيع أن تشتري ما تشاء من محلات (هارودز) وسوف يحصل على حسومات كبيرة، واتضح عند الجد أنهما لم يستفيدا من أية حسومات، وانه لا يعرف الفايد ولا يعرف حتى اصغر عامل في هارودز.. وفي روما خرج من الفندق وغاب إلى منتصف الليل، وقلقت عليه وكادت أن تتصل بالبوليس، وعندما رجع ذكر لها أن عصابة من اللصوص اختطفوه وكتفوه وسرقوا محفظته التي فيها كل نقوده وكروته، وبعد أن نام وجدت محفظته في جيبه كاملة غير منقوصة..
وأحياناً يدعي الإفلاس ويقول انه خسر كل فلوسه بالمضاربة (بالبورصة) وهو ينوي أن يبيع محلاته، وبعدها بيوم واحد يشتري لها سيارة لأن مكاسبه قد تضاعفت.. وهو يكثر من الادعاء بوقوع كل نساء الأرض في غرامه، بمن فيهن من ممثلات السينما ومذيعات التلفزيون والنساء الشهيرات في مختلف المجالات، وتقول: انه لم يقتصر الأمر على هؤلاء البعيدات ولكنه تعدى إلى صديقاتي وكل نساء العائلة.
واستمرت (تأليفات) هذا الرجل الكذوب مع زوجته الصابرة المسكينة، ومع الوقت أخذت تتطور هذه الأكاذيب، وتأخذ منحى آخر أكثر (دراماتيكية).. وفي احد الأيام وعندما كانا مع بعض الأقارب يحتفلان بعيد ميلاد ابنهم الأول، جلس هو في ركن الصالون واجما لا يشاركهم الفرحة، وعندما ذهبت إليه تستعلمه، ترقرقت الدموع في عينيه، وفتح شنطة كانت معه، واخرج منها تحاليل وأشعة قائلاً: شفتي المصيبة التي أنا فيها: إني مصاب بالسرطان، وبما أن الموقف اكبر من أي مجال للمزاح أو الكذب، فقد ضعفت المسكينة، وفي ثاني يوم أخذت التحاليل والأشعة، وذهبت من دون أن يعلم إلى المكان الذي يفترض انه عمل فيه الكشوفات، واتضح لها أن العملية كلها (مفبركة) مع احد العاملين في ذلك المختبر لقاء مبلغ معين، وانه معافى وليس فيه أي مرض، وبدون أن تخبره أخذت تراقبه وهو يروي لها كلما عاد إلى المنزل معاناته مع العلاجات الكيمياوية والشعاعية، وبعد ثلاثة اشهر اخبرها انه شفي من السرطان تماما، غير انه مريض بالقلب.
وبعد أن طفح الكيل بتلك المرأة، كرهته تماما، وهي الآن في منزل والدها، وتطلب الطلاق أو (الخلع)..